«اَلْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، أَنَّى وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» (1) .
وقال علي - رضي الله عنه - العلم ضالة المؤمن، فخذوه ولو من أيدي المشركين (2) .
وينطبق هذا أكثر ما ينطبق على نتائج العلوم المادية المحضة التي لا تصطبغ بعقائد أصحابها ولا بأفكارهم، لأنها قوانين كونية عامة يدين بها المؤمن والكافر، ويخضع لسنتها البر والفاجر.
ومن هنا لم يجد المسلمون حرجا في اقتباس العلوم الكونية من الطب والكيمياء، والفلك، والبصريات، والرياضيات، وغيرها من أمم الحضارات القديمة، مثل اليونان، والفرس، والروم، ولا سيما اليونان.
وهذا بخلاف الدراسات الأخرى التي تتصل بالدين والقيم والمفاهيم، وتؤثر في وجهة نظر دارسها إلى الله والطبيعة والإنسان والتاريخ والمجتمع.
ومن هنا أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمر حين رآه يقرأ شيئا من صحائف أهل الكتاب من اليهود، لأن الله قد أغنى بالقرآن المحفوظ عن تب أصابها التحريف والتبديل، واختلطت فيها كلمات الله بأوهام البشر، وأهواء الخلق، ففقدت الثقة بعصمتها، والدين لا يجوز أن يؤخذ إلا من مصدر إلهي معصوم، ثابت النسبة إلى الله تعالى.
روى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب، فقال: «أَمُتَهَوِّكُوْنَ فِيْهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوْهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوْكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوْا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوْا بِهِ، وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ مُوْسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ
(1) الحديث ضعيف الإسناد، ولكن معناه صحيح.
(2) جامع بيان العلم، جـ 1/ 121.
(3) متهوّكون: أي متحيرون، يعني هل أنتم متحيرون، أو مترددون في عقيدتكم حتى تأخذوا العلم من غير كتابكم ونبيكم؟