ملل، نتيجة مواصلة الدأب والتكرار اليومي الرتيب. وهو ما أشار إليه الإمام علي فيما ذكرناه من قوله رضي الله عنه. وفيه يقول الشاعر:
والنفس تسأم إن تطاول جدّها ÷ فاكشف سآمة جدها بمزاح
والثانية: تنشيط النفس لمواصلة السعي إلى الجد، ومعاناة البحث عن الحقيقة مهما تكن مشقة الطريق إليها، وفي هذا قال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لها على الحق.
ولكن ينبغي هنا مراعاة أمرين:
الأول: ألا يكون في هذه الملح والطرف تجاوز أو إسفاف، مما لا يليق بمجلس العلم وأهله، فمجلس العلم ليس مسرحا أو ملهى.
الثاني: أن تكون بالقدر المناسب، بحيث يكون الجد هو الأصل والقاعدة، وهذه هي الاستثناء. فإن كل شيء إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضده، حتى العبادة، قد كره الغلوّ فيها، فكيف بالمباح، وكيف باللهو منه؟
وفي هذا جاء عن علي - رضي الله عنه - قوله: أعط الكلام من المزح بمقدار ما تعطي الطعام من الملح.
من المبادئ التربوية التي ورثتها لنا سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - استغلال المواقف الواقعية، والتصرفات العملية التي تقتضي موقفا تعليميا معينا، وإلقاء توجيه تربوي خاص، ليأخذ المتعلمون منه درسا إيجابيا لا ينسى.
وذلك لارتباطه بالواقع المشاهد، وصلته بمناسبة لابسها الناس وعايشوها، فهنا ترسخ في الذهن وتثبت في القلب، ولا تحتاج إلى تطويل أو تكرار.
وهكذا كان الرسول العظيم، لا يدع فرصة من هذه الفرص التي يتيحها القدر للناس في حياتهم - تمرّ دون أن يجعل منها درسا بليغا، وموعظة مؤثرة كثيرا ما تدمع منها العيون وتوجل لها القلوب.