فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 161

ومن دلائل العقلية العلمية الحقة: النزول عند رأي الخبراء، وأهل الذكر، والمعرفة في كل فن من الفنون أو خبرة من الخبرات. وهذا ما هدى إليه القرآن في مثل قوله {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيْرًا} [الفرقان: 59] . {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيْرٍ} [فاطر: 14] .

ففي الأمور الحربية، يجب الوقوف عند رأي الخبراء العسكريين، وفي الاقتصاد يؤخذ برأي الاقتصاديين، وفي الصناعة تحترم توصيات الصناعيين .. وهكذا.

وفي معركة بدر الكبرى، حيث التقى الرسول والمسلمون بالمشركين من قريش، ونزلت قريش بالعدوة القصوى من الوادي، وخرج الرسول يبادرهم إلى الماء، حتى جاء أدنى ماء بدر فنزل به.

وهنا يتقدم الحباب بن المنذر الأنصاري إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - باقتراح يقول فيه: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل؛ أمنزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟! قال: «بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيْدَةُ» . قال: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من الْقُلُبِ (1) ، ثم نبني عليه حوضا، فنملأ ماء، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ» (2) .

(1) نغور: ندفن ونطمس. القلب - بضم القاف واللام - جمع قلب، وهو البئر.

(2) الحديث في سيرة ابن هشام جـ2 ص 272 عن ابن إسحاق قال: فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب ... إلخ. قال الشيخ الألباني في تخريج"فقه السيرة"للغزالي: وهذا سند ضعيف لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة. (وأيضا: هؤلاء الرجال مجهولون، ولا ندري، أعاصروا الحباب أم لا) . ووصل الحاكم هذا الخبر في المستدرك (جـ 3/ 427) ، ولكنه لم يصححه، وأنكره الذهبي، ولكن وصله ابن حجر في الإصابة جـ 1/ 427 من طريق ابن إسحاق في السيرة، قال: حدثني يزيد بن رومان عن عروة وغير واحد، في قصة بدر، فذكر قول الحباب ... إلخ، وهذا السند إلى عروة صحيح، إلا أن الحباب مات في خلافة عمر، وعروة ولد في أواخرها، فلم يدركه. فالحديث مرسل، ولكنه يعضده شهرة القصة بين الصحابة الذين أدركهم عروة، وهم كثرة، والذين كانوا يروون أنباء الغزوات لأبنائهم - كما أن للحديث شاهدا بإسناد ضعيف عند ابن شاهين، كما في الإصابة أيضا، وقد نقلت كتب السيرة خبر الحباب، وتلقته بالقبول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت