فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 161

يدبرونها وفقا لمصلحتهم. وليس من شأن الوحي أن يتدخل فيها، فهم بها أدرى وأعلم.

والقصة في صحيح مسلم، ومسند أحمد، وغيرهما، رواها عدد من الصحابة، منهم طلحة بن عبيد الله، ورافع بن خديج، وعائشة، وأنس رضي الله عنهم.

ففي المسند عن طلحة - رضي الله عنه - قال: مررت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في نخل المدينة، فرأى أقواما في رؤوس النخل، فقال: «مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ؟» قَالَ: يَاْخُذُوْنَ مِنَ الذَّكَرِ فَيَحُطُّوْنَ فِي الْأُنْثَى، يُلَقِّحُوْنَ بِهِ، فَقَالَ: «مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِيْ شَيْئًا» ، فَبَلَغَهُمْ، فَتَرَكُوْهُ، وَنَزَلُوْا عَنْهَا، فَلَمْ تَحْمِلْ تِلْكَ السَّنَةُ شَيْئًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ اَلنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ ظَنَنْتُهُ، إِنْ كَانَ يُغْنِيْ شَيْئًا فَاصْنَعُوْا، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيْبُ، وَلَكِنْ مَا قُلْتُ لَكُمْ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَلَنْ أَكْذِبْ عَلَى اللهِ» (1) .

وفي صحيح مسلم (2) من رواية رافع بن خديج أنه قال لهم: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِيْنِكُمْ فَخُذُوْا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِيْ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» .

وفيه (3) من رواية عائشة وأنس: أنه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ التَّمْرُ شِيْصًا - بُسْرًا رَدِيْئًا - مَا لِنَخْلِكُمْ؟! قَالُوْا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» .

فالقانون الذي يجب الخضوع له هنا: هو القانون الذي تنتجه الخبرة والممارسة، أو المشاهدة والتجربة. ويكفي العقل الإنساني في هذه الأمور هاديا ودليلا. أما الوحي فحسبه أن يضع للناس القيم والمبادئ العامة والضوابط. ثم يدع البشر يتصرفون تبعا لما يعملون. وحسبهم هذه الكلمة الجليلة: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» .

(1) رواه الإمام أحمد في مسند طلحة، حديث رقم 1399. قال الشيخ شاكر: إسناده صحيح، وقد جاء في المسند مختصرا برقم 1395، ورواه مسلم أيضا برقم 2361.

(2) رواه مسلم من حديث رافع بن خديج، برقم 2362.

(3) رقم 2363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت