فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 161

وإذا أردنا أن نتخذ مثلا أو نموذجا لعناية الإسلام عامة، والرسول خاصة، بالعلم القائم على التجربة، فلن نجد أفضل من الطب نموذجا يتجسد فيه موقف القرآن والسنة من هذه العلوم.

وحسبي أن أسجل في هذه السطور أهم المبادئ الأساسية التي جاء بها الإسلام، ووضع بها حجارة الأساس لقيام صرح مشيد لطب علمي سليم.

أولا: قرر قيمة البدن وحقه على صاحبه: «إِنَّ لِبَدَنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» ، وإذا كان حقه عليه أن يُطْعِمه إذا جاع، ويُرِيحه إذا تعب، ويُنَظّفه إذا اتسخ، فإن حقه عليه كذلك أن يُدَاويه إذا مرض. ومعنى هذا، أنه حق واجب لا يجوز أن يُهْمل، أو يُنْسى لحساب حقوق أخرى، منها حق الله عز وجل، كما بينتْ ذلك الأحاديثُ التي دعتْ إلى الاعتدال، وبيّنتْ أنه منهج الإسلام، وسنة نبيه: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» .

وبهذا أبطل الإسلام الفكرة السائدة في المذاهب الزهدية - مقاومة البدن وتعذيبه لترقية الروح - معتبرا أن كيان الإنسان بشقيْه: الروح والبدن معا.

ثانيا: حل مشكلة الإيمان بالقدر الذي كان يعتقده كثير من الناس منافيا للتداوي، وطلب العلاج. وهنا، نجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سُئِل عن الأدوية التي تؤخذ للعلاج، والأسباب التي تتخذ للوقاية: هل ترد من قدر الله شيئا؟

فكان جوابه البَيِّنُ الحاسم: «هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ» (1) .

فَبَيَّنَ بهذا الجواب أن الله يقدر الأسباب والمسببات جميعا. فكما يقدر أن الداء تنتج من كذا وكذا، يقدر أن دواءه يكون بكذا وكذا، وأن اتقاءه يكون بكذا وكذا، والمؤمن الفقيه من يدفع قدر الله بقدر الله، كما يفرّ من قدر الله إلى قدر الله.

ثالثا: فتح باب الأمل أمام الأطباء والمرضى معا - في إمكان الشفاء من

(1) رواه من حديث أبي خزامة الترمذي وابن ماجه، وأحمد والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، مع أن في إسناده ابن أبي خزامة، وهو مجهول، وباقي رجاله ثقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت