وليس في هذا أي منافاة لحقيقة دينية، أو لقاعدة شرعية، أو لنص ثابت في قرآن أو سنة.
ولست أستدل لذلك بقوله تعالى في سورة الرحمن: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33] ، ولا أفسر السلطان هنا بالعلم، كما ذهب إلى ذلك بعض علماء العصر.
فالواضح أن سياق الآية يدل بوضوح أن الخطاب في الآخرة، لا في الدنيا، وهو خطاب تعجيز للثقلين من الجن والإنس: أنهم لا يستطيعون الفرار من قبضة العدالة الإلهية إلا إذا خرجوا من ملك الله، وأنى لهم أن يخرجوا منه، وأين يذهبون؟
فمعنى: {لَا تَنْفُذُوْنَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} أي: لا تنفذون مطلقا، لأنه لا سلطان لكم أمام سلطان الله تعالى.
أما الصعود إلى القمر، فليس نفاذا من أقطار السموات والأرض، كيف، وهو لا يزال في إطار المجموعة الشمسية، بل في أقرب كوكب منها إلى الأرض، وهو القمر؟ فإذا اعتبرنا الصاعد إلى القمر خارجا من قطر الأرض، كما هو الظاهر - حيث جعل القرآن القمر في السماء {وَجَعَلَ فِيْهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيْرًا} [الفرقان: 61] - فإنه لم يخرج لحظة من أقطار السماء.
وأولى من ذلك الاستدلال بآيات التسخير للكون عامة، وللشمس والقمر والنجوم خاصة، وهي كثيرة في القرآن الكريم.
والمقصود: أن علم النجوم المحرم الذي يعدّ شعبة من السحر، هو: علم تأثيرها، لا علم تسييرها، كما قال العلماء (1) .
هذه التعاليم التي ذكرناها، جديرة بأن تهيئ أفضل مناخ نفسي وعقلي واجتماعي، لقيام فكر علمي، وحياة علمية. وهذا ما رأينا مصداقه في الحضارة الإسلامية الشامخة المتوازنة، التي وصلت الأرض بالسماء، وجمعت بين العلم والإيمان، ومزجت بين المادة والروح.
(1) انظر: فيض القدير جـ 3 ص 256، جـ 6 ص 80.