بالله، آمن من مَكْرِه، غير خائف من سطوته وقهره، حيث رأى الناس هالكين، ورأى نفسه ناجيا، وهو الهالك تحقيقا مهما رأى ذلك. ويكفيه شرا احتقار الغير، فالخلق يدركون النجاة بتعظيمهم إياه لله، فهو يتقربون إلى الله بالدنوّ منه، وهو متمقت إلى الله بالتنزه والتباعد منهم، بأنه يترفع عن مجالستهم، فما أجدره بالهلاك (1) .
ومن أخلاق العلماء: العزة التي هي أخص فضائل المؤمنين {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المؤمنون: 8] ، والعلماء هم صفوة المؤمنين.
والعزة شيء غير الغرور أو العجب أو الكبر، وهي لهذا لا تنافي فضيلة التواضع التي تحدثنا عنها.
هي عزة في مواجهة المستكبرين بالسلطان، أو المتعالين بالثروة، أو غير ذلك من أعراض الدنيا.
فهي عزة بالعلم والإيمان، وليست عزة بالإثم والعدوان، عزة تلتمس من الله ولا تطلب من الناس، ولا عند أبواب السلاطين {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10] .
سأل الحجاج خالد بن صفوان: من سيد البصرة؟ فقال له: الحسن البصري، فقال: وكيف وهو مولى؟ أي ليس من قبائل العرب ذوي الحسب. فقال: احتاج الناس إليه في دينهم، واستغنى عن الناس في دنياهم، وما رأيت أحدا من أشراف أهل البصرة إلا وهو يروم الوصول في حلقته إليه يستمع قوله، ويكتب علمه. قال: هذا والله السؤدد (2) .
والاستغناء شعور قبل أن يكون ملكا لأشياء، فإن من الناس من يملك القناطير المقنطرة وهو فقير النفس، ممدود اليد إلى الغير، وآخر صفر اليدين،
(1) «فيض القدير» 1/ 378.
(2) «جامع بيان العلم» جـ 1/ 74 - 75.