قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به من اختلاف الناس: أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل بلد لأنفسهم.
فقال أبو جعفر: لعمري، لو طاوعني على ذلك لأمرت به، قال أبو عمر بعد ذكر هذه القصة: وهذا غاية في الإنصاف لمن فهم (1) .
وروى بسنده إلى عبد الرحمن بن القاسم أنه قال لمالك: ما أعلم أحدا أعلم بالبيوع من أهل مصر. فقال له مالك: وبِمَ ذلك؟ قال: بِك. قال: فأنا لا أعرف البيوع، فكيف يعرفونها بي؟ (2) .
هذا هو موقف العلماء حقا: تواضع لله، وإنصاف من النفس، وتقدير لموقف الآخرين، والتماس الأعذار لهم.
روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُوْلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ» (2) .
وذلك إذا دلت حاله على أنه يقول لك إعجابا بنفسه، وتِيْهًا بعلمه أو عبادته، واستصغارا لشأن الآخرين، وازدراء لما هم عليه.
وقد رويت كلمة (أهلكهم) بضم الكاف، وفتحها، ومعناها على الضم: أنه أشدهم هلاكا، وأحقهم بالهلاك، أو أقربهم إليه، لذمه للناس، وذكره عيوبهم، وتكبره عليهم. وأما بالفتح فهو فعل ماض (أهلكَهم) أي: جعلهم هالكين، لا أنهم هلكوا حقيقة، أو أهلكَهم لأنه أقنطَهم من رحمة الله، وأيأسهم من غفرانه.
قال الغزالي: إنما قاله لأن هذا القول يدل على أنه مُزْدَرٍ لخلق الله، مُغْتَرٍّ
(1) «جامع بيان العلم» جـ 1 ص 159.
(2) المرجع السابق.
(3) رواه أيضا مالك، وأحمد، والبخاري في «الأدب المفرد» ،وأبو داود.