فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 161

ومن الصبر المحمود والمطلوب لطالب العلم: أن يصبر على أستاذه، ويحتمل شدته إن كان شديدا، وغضبه إن كان غضوبا، ويحترم صمته فيما لا يحب الكلام فيه. وخير مثل لذلك هو صبر موسى على الخضر - عليهما السلام - قال له موسى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا. قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: 66 - 70] .

فهذا صبر أشد من الصبر على نصب الأسفار، ومتاعب الفقر والارتحال، ولهذا صبر موسى على النصب في سفره الطويل، ولم يطل صبره على هذا الأخير، وقال له الخضر: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 78] .

ومن أدب المتعلم الذي جاءت به السنة النبوية: توقير المعلم، وإعطاؤه ما يستحق من التكريم والإكبار. فإن المعلم لتلميذه بمنزلة الأب لولده. بل قال يحيى بن معاذ - رحمه الله: العلماء أرحم بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من آبائهم وأمهاتهم. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة.

وبهذا صار حق المعلم - كما يقول الغزالي - أعظم من حق الوالدين، فإن الوالد سبب الوجود الحاضر، والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية. ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم. وإنما المعلم هو المفيد للحياة الأخروية. أعني معلم علوم الآخرة، أو علوم الدنيا على قصد الآخرة (1)

وفي المفاضلة بين المعلم والأب يقول الشاعر:

(1) الإحياء جـ 1 ص 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت