لقد بذلوا في طلبه النوم بالليل والراحة بالنهار، وتحملوا الشظف والفقر في سبيله غير ضجرين ولا متبرمين. فقد تلقوا عن شيوخهم هذه الحكمة: لا ينال العلم براحة الجسم. وكان الإمام مالك يقول: إن هذا الأمر لن ينال حتى يذاق فيه طعم الفقر، وذكر ما ينال بربيعة من الفقر في طلب العلم، حتى باع خشب سقف بيته، وحتى كان يأكل ما يلقى على مزابل المدينة من الزبيب وعصارة التمر!
وقال شعبة لأصحابه: ليبلغ الشاهد منكم الغائب: من ألح في طلب العلم - أو قال: في طلب الحديث - أورثه الفقر.
وقال سحنون: لا يصلح العلم لمن لا يأكل حتى يشبع (1) .
وليس المهم في طلب العلم محض تعب البدن، بل أهم منه تفريغ القلب له بالتقليل من شواغل الدنيا المادية، وصوارف الحياة الاجتماعية، فإن العلائق شاغلة وصارفة. وقد قال الله: {مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِيْ جَوْفِهِ} [الأحزاب: 4] .
ومهما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق. ولذلك قالوا: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك، فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر.
قال الغزالي: والفكرة المتوزعة على أمور متفرقة كجدول تفرق ماؤه، فنشقت الأرض بعضه، واختطف الهواء بعضه، فلا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ المزدرع.
فهذه تظرتهم للعلم، وهذه كانت حياتهم في طلبه. وكانوا قريري العين بها، فإن لذة معرفة الحقيقة تُنسي مشقة الحصول عليها. وقد قيل لأحد العلماء: فيم لذتك؟ فأجاب: في حجة تتبختر اتضاحا، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا!
(1) ذكر هذه الآثار ابن عبد البر في جامع بيان العلم باب الحض على استدامة الطلب والصبر على الأذى والنصب.