خشيه أبو بكر، وصرح به للرسول - صلى الله عليه وسلم - حين قال: لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَرَآناَ، فَقَالَ لَهُ كَلِمَتَهُ الْمُؤْمِنَةِ اَلْوَاثِقَةِ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا، {لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] » .
وهنا، تجلى دور"التوكل"الحق، فبعد أن يبذل الإنسان ما في وسعه، ويتخذ من الأسباب والخطط ما يقدر عليه، يَدَع ما يقدر عليه من مفاجآت القدر، لله وحده، وهنا تقع {إِنَّ اللهَ مَعَنَا} موقعها، وتؤتي أكلها.
ولعل أظهر ما يميّز"العلم"بالمفهوم العصري أو الغربي: أنه لا يقوم على المنطق الشكلي أو الصوري أو القياسي الذي ينسب إلى أرسطو، وإنما يقوم على منطق الملاحظة والتجربة، ويخضع في نتائجه لما تأتيان به. ولهذا يسمى"العلم التجريبي"، ويسمى منهجه"المنهج التجريبي".
وهنا أيضا نجد الرسول - عليه الصلاة والسلام - سبق إلى إقرار مبدأ التجربة في الأمور الدنيوية الفنية، مثل أمور الزراعة، والصناعة، والطب، وما شاكلها، فما أثبتت التجربة نفعه في هذا، فهو مطلوب شرعا، وما أثبتت ضرره فهو مرفوض شرعا.
وأوضح مثال لهذا المبدأ: موقفه - عليه الصلاة والسلام - من قضية تأبير النخل، حيث رأى أصحابه من الأنصار يفعلون ذلك، ولم يكن له بذلك عهد، حيث نشأ بمكة، وهي واد غير ذي زرع، فقال لهم كلمة من باب الظن والتخمين، يشير بها إلى أن هذا العمل لا ضرورة له. وفهم الأنصار منها أنها من أمر الوحي والدين الذي لا يجوز مخالفته. فتركوا التأبير في ذلك الموسم، فخرج التمر رديئا. فلما علم ذلك - عليه الصلاة والسلام - بَيّن لهم أن كلمته لم تكن من باب الوحي الإلهي، بل من باب المشورة الدنيوية، حسب ظنه الناشئ عن خبراته البيئية المحدودة، ثم قال لهم في النهاية: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» .
فهذه الشؤون الدنيوية الفنية المحض، متروكة لعقولهم ومعارفهم،