واطمأن إلى الرفيق الذي سيصحبه في رحلته الجاهدة بما فيها من أخطار، وما تحمله من مفاجآت، ولم يكن هناك أفضل من أبي بكر رفيقا.
واطمأن إلى الفدائي الذي سيبيتُ مكانه، مُعَرِّضًا نفسه لاحتملات الخطر، وغدارات المتربصين، ولم يكن ثَمَّ أفضل من علي، ابن عمه أبي طالب، فارس الإسلام لهذه المهمة.
ورتب الدليل الخريت الذي يدلّه على الطريق، وما فيه من منعطفات ومخابئ، يمكن أن تضلل عنه أعين الطالبين، فكان مشركا أمينا، هو عبد الله بن أريقط، وهو ما أخذ منها الفقهاء جواز الاستعانة بالخبرة الفنية غير الإسلامية، مع الاطمئنان والأمان.
وهيأ الرواحل التي سيمتطيها هو وصاحبه، ودليله في سفرهم الطويل، واتفقوا على المكان الموعود الذي يستقلون به الركائب.
وتخير المخبأ الذي يختفي فيه أياما معدودة، حتى تخف حدة الطلب، ويتملك القوم اليأس، واختاره في غير طريق المدينة، زيادة في التعمية على القوم، فكان غار"ثور".
وأعدّ فريق الخدمة الذي يأتي بالزاد، والأنباء خلال أيام الاختفاء، فكانت أسماء وعبد الله بن أبي بكر، ومن بعدهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يأتي بغنمه فيحلبون منها، ويعفي على آثار أسماء وعبد الله.
خطة محكمة الحلقات، متقنة التدبير، ولم تترك فيها فجوة دون أن تُملأ، ولا ثغرة دون أن تُسدّ، ووضع فيها كل جندي في دوره المناسب لظروفه وقدراته، فدور أبي بكر، غير دور علي، غير دور أسماء، وكل في موقعه الصحيح.
ومع هذا الإحكام الدقيق، كادت الخطة تخفق، واستطاع المشركون أن يصلوا إلى الغار، ويقفوا على بابه، وكان يكفي لكشف الأمر وإفساد الخطة، أن ينظر أحد القوم تحت قدميه، ليرى الرسول وصاحبه في الغار، وهذا ما