فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 161

ولم يكن من الحكمة ولا من حسن الخطة أن يذهبوا بعيدا إلى بلاد مثل الهند والصين، حيث تنقطع أخبارهم، وتكون الهجرة مهلكة لهم.

ولقد كانت الحبشة هي المكان المناسب جغرافيا، فهو ليس جد بعيد، ولا جد قريب، بل بينه وبين قريش بحر.

وكانت الحبشة هي المكان المناسب دينيا، فقد كانوا أهل كتاب من النصارى الذين يُعَدُّون أقرب مودة للمسلمين.

وكانت الحبشة هي المكان المناسب سياسيا، فقد كان يحكمها رجل اشتهر بالعدل والنصفة، ولهذا قال الرسول لأصحابه: «إِنَّ بِهَا مَلِكًا أَرْجُوْ أَلَّا تُظْلَمُوْا عِنْدَهُ»

وهذا يدلنا على أن الرسول وأصحابه لم يكونوا في عزلة عن العالم من حولهم، رغم صعوبة المواصلات بين الأقطار بعضها وبعض.

ويدل على ذلك أيضا موقفهم من حرب الفرس والروم، وما كان من جدل بين المسلمين والمشركين في هذا، مما نزلت فيه أوائل سورة الروم {غُلِبَتِ الرُّوْمُ. فِيْ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُوْنَ} [الروم: 2 - 3] .

وهكذا ... فقد كانوا - وهم في فجر الدعوة، ورغم الضعف والاضطهاد - على صلة بالصراع العالمي بين الدولتين العظيمتين في ذلك العصر، أو المعسكرين الكبيرين: الشرقي والغربي.

وأوضح من ذلك، موقفه - صلى الله عليه وسلم - في هجرته إلى المدينة، ففيها يتجلى التخطيط العلمي، والتوكل الإيماني جنبا إلى جنب.

فلقد أَعَدَّ - عليه الصلاة والسلام - من جانبه كل ما يستطيع البشر إعداده من الوسائل والاحتياطات والمعينات.

ولقد اطمأن إلى المهجر الذي سينتقل إليه، بعد أن بايع المؤمنين من الأوس والخزرج بيعة العقبة الأولى والثانية، واشترط لنفسه أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وذراريهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت