للغزالي رأي في تلك الفلسفة وقضاياها، مسجلة في كتابه المعروف"تهافت الفلاسفة"، وقل من يقرأ الجانب العلمي والرياضي من الفلسفة دون أن يتأثر بالجانب الإلهي منها كما أشار إلى ذلك في"المنقذ من الضلال". والجانب الإلهي من تلك الفلسفة خليط من الوثنية اليونانية ومن شطحات العقل البشري فيما لا تعرف حقيقته إلا بالوحي المعصوم.
وكذلك ما ذكره عن العلم بالأشعار التي لا سخف فيها، وتواريخ الأخبار، وما يجري مجراه، حيث عدّها من قسم المباح فحسب، والذي يبدو لي أن معرفة الشعر والأدب العربي عامة، ومعرفة التاريخ الإسلامي على الخصوص، والإنساني على العموم، من الواجبات الكفائية فلا يجوز أن تخلو الجماعة المسلمية عمن يحسنها ويوجهها وجهة الحق، يردّ على من يستخدمها في سبيل الباطل، كما نرى ذلك بين أتباع اليمين واليسار.
وهي كذلك سلاح من الأسلحة الثقافية للداعية (1) المسلم.
بل أرى أن واجبا على الجماعة الإسلامية أن يكون فيها من يتخصص في جميع ألوان الدراسات الإنسانية المختلفة (علم النفس، والاجتماع، والتربية، والاقتصاد، والسياسة، وغيرها) ، حتى يدرسها ويعرضها من منطلق إسلامي أصيل، وفي إطار إسلامي مأمون، ولا سيما أن هذه العلوم الإنسانية والاجتماعية، هي التي تصنع فكر الأمة وذوقها، وتلون اتجاهها وسلوك أفرادها بلونها، فلا يجوز أن يعدّها المسلمون مجرد مباح يجوز فعله وتركه، إنما يجب عدّ ذلك من فروض الكفاية.
ولو رأى صاحب"الإحياء"- رحمه الله - ما رأينا من خطر هذه العلوم، وتسلط حملتها على عقول الشباب، واستغلال اليهود لها في كثير من جامعات الغرب، ومراكز بحثه، لغيّر رأيه واجتهاده، وقضى بما قضينا، ولكل عصر ظروفه وأحكامه.
وأول ما يرجى من طالب العلم، وبخاصة العلم الشرعي، تصحيح النية،
(1) انظر: كتابنا"ثقافة الداعية"فصول: الثقافة اللغوية والأدبية والتاريخية والإنسانية.