فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 161

وذلك أن يجاهد نفسه على الإخلاص والتجرد، ويتحرى بعلمه وجه الله تعالى والدرا الآخرة، ولا يجعل همّه ونيّته مباهاة العلماء، أو مماراة السفهاء، أو مجاراة الأغنياء، أو مداهنة الأمراء، أو جمع المال، أو الجاه، أو غير ذلك مما يتطلع إليه الناس من متاع الحياة الأدنى، فيبيعون باقيا بِفَانٍ، وعظيما بحقير، وملكا كبيرا بثمن قليل.

ولو جاز هذا في طلب علوم الدنيا، لم يجز في طلب علوم الآخرة، التي تحتاج أول ما تحتاج إل تصفية السريرة، وتجريد الهمّة، والإقبال بكلية القلب على الله تعالى.

ولقد جاء الحديث الصحيح يحمل الوعيد الشديد لثلاثة الذين أفسد الرياء أعمالهم، ونقلهم من ديوان المخلصين الصادقين، إلى ديوان المرائين الكاذبين، فكانوا أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة.

ومن هؤلاء رجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلّمته، وقرأت فيك القرآن! قال: كذبتَ، ولكنك تعلّمت ليقال: عالم. وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار (1) .

وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَعَلَّمُوْا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوْا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلَا لِتُمَارُوْا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا تَخَيَّرُوْا بِهِ الْمَجَالِسَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَالنَّارُ النَّارُ» (2)

وعن ابن مسعود أنه قال: «كَيْفَ بِكُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيُتَّخَذُ سُنَّةٌ، فَإِنْ غُيِّرَتْ يَوْمًا، قِيلَ: هَذَا مُنْكَرٌ!» قِيْلَ: وَمَتَى

(1) رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة.

(2) قال المنذري: رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي، كلهم من رواية يحيى بن أيوب الغافقي عن ابن جريج عن أبي الزبير عنه، ويحيى ذها ثقة قد احتجّ به الشيخان وغيرهما، ولا يلتفت إلى من شذ فيه. ورواه ابن ماجه بنحوه من حديث حذيفة - ترغيب رقم 179. وقال العراقي في تخريج الإحياء: إسناد ابن ماجه صحيح. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: رجال إسناده ثقات (الحديث 254 من ابن ماجه) ورواه الحاكم، وصحح إسناده، وسكت عليه الذهبي (1/ 85 - 86) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت