ذَلِكَ؟ قَالَ: «إِذَا قَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ ... وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ» (1) .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أي رِيحَهَا (2) .
وأي خسارة أكبر من أن يخسر الإنسان الجنة؟! حتى إنه لا يجد عَرْفَها وريحها، وريحها يوجد من مسيرة كذا وكذا؟!
ومن رحمة الله تعالى - كما أَفْهَمَ الحديثُ - أن الوعيد فيه إنما هو فيمن ليس له أي قصد أخروي، لأنه جاء بهذا الحصر الحاسم: « ... لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا ... » ، ومعنى هذا، أن من قصد الآخرة بعلمه، وأراد معها شيئا من الدنيا، فلا يتناوله الوعيد المذكور، شأنه شأن الحاج الذي يقصد إلى الحج، ويقصد بجواره شيئا من التجارة، وقد تحرج من ذلك بعض الصحابة، فنزل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] .
فمدار الحكم على المقصد الأساسي: ما هو؟ الآخرة أم الدنيا؟ على أنهم قالوا: فرق بين من يأخذ الدنيا ليتفرغ لعمل الآخرة، وبين من يعمل عمل الآخرة ليأخذ الدنيا، فتأمل، فإنه موضع الزلل (3) .
والحديث إنما يذم من قصد بعلمه الدنيا، لا من جاءته الدنيا بغير هذا القصد. وإنما ذم القرآن من {طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النازعات: 37 - 38] وذم أيضا من وصفه الله بقوله: {مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم: 29] ، وكذلك {مَنْ كَانَ يُرِيْدُ الْعَاجِلَةَ} في مقابل {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الإسراء: 18 - 19] .
(1) رواه عبد الرزاق في كتابه موقوفا - ترغيب 185.
(2) قال المنذري - ترغيب 177: رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم. وأقول: ووافقه الذهبي أيضا (المستدرك جـ 1/ 85) .
(3) المرقاة شرح المشكاة جـ 1 ص 235.