العلم، فإني لا أنسى ذُلَّنا بين يدي هذا العبد الأسود! (1) .
وقد نبهت الأحاديث الصحيحة إلى حقيقة مهمة، وهي أن الحياة بغير علم لا تستحق البقاء، وأن ضياعه أو إضاعته نذير بخراب الدنيا، وأن الساعة على الأبواب.
روى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرَفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتُ الْجَهْلُ» وفي رواية: «يَقِلُّ الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ الْجَهْلُ» «وَيُشْرَبُ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرُ الزِّنَى» (2) .
قال العلامة الكرماني في شرحه للبخاري:"إنما كان اختلال هذه الأمور مؤذنا بخراب العالم، لأن الخلق لا يتركون هملا، ولا نبي بعد نبينا - صلى الله عليه وسلم - فيتعين ذلك" (3) .
والمراد بالعلم هنا: علم الدين الموروث عن النبوة، فهو الذي يهدي الناس إلى الله، ويقفهم عند حدوده، ويعرفهم أمره ونهيه، حلاله وحرامه.
ولا يبعد أن يصيع الناس هذا العلم، وإن وصلوا في علم الدنيا إلى غزو الفضاء والصعود إلى الكواكب، فقد يفعلون ذلك وهم بالله جاهلون، وعنه غافلون، كعامة الغربيين اليوم، إلا من رحم ربك، فهم كالذين وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُوْنَ. يَعْلَمُوْنَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُوْنَ} [الروم: 6 - 7] .
فانظر كيف نفى الله عنهم العلم بقوله: {لَا يَعْلَمُوْنَ} ، ثم قال: {يَعْلَمُوْنَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، ولا يناقض هذا الإثبات ذلك النفي، لأن هذا النوع وهذا المستوى من العلم - العلم بظاهر من الدنيا مع الغفلة عن المصير - هو علم أشبه بالجهل، فلا عجب أن يوصف أصحابه بأنهم لا يعلمون.
(1) «مفتاح دار السعادة» جـ1/ 165
(2) البخاري: كتاب «العلم» باب: رفع العلم وظهور الجهل.
(3) «فتح الباري» جـ1 ص 189.