يولد الإنسان غفلا من العلم، ولكن الله سبحانه وتعالى فطره على حب المعرفة واستطلاع ما يجهل، ووهب له من أدوات العلم ما يستطيع به أن يعرف نفسه، ويطلّ على الوجود من حوله، يقول تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .
وبهذا استطاع الإنسان أن يتعلم، ويكشف سنن الكون وحقائق الوجود عن طريق السمع والرواية، وعن طريق البصر والملاحظة، وعن طريق الفؤاد والتفكير. وهي الوسائل التي استودعها الله الإنسان، وسيسأل عنها أمام الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] .
وبهذه الوسائل يتمكن الإنسان أن يكتسب علم الدنيا، وأن يحصل على علم الدين، إذا شحذ همته لطلب العلم، ولم تشغله شواغل الدنيا عن التعلم.
هكذا قضت سنة الله: أن السماء لا تمطر على الإنسان علما، وهو قاعد في بيته، إنما يدرك العلم مَن طلبه، وعانى في تحصيله.
وهذا ما نطق به الحديث النبوي الشريف: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تَعَلَّمُوْا، إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقَّهْهُ فِي الدِّيْنِ» (1) .
(1) قال الحافظ في «الفتح» جـ 1 ص170: أورده ابن أبي عاصم، والطبراني من حديث معاوية، وإسناده حسن، لأن فيه مبهما، اعتضد بمجيئه من وجه آخر، وروى البزار نحوه من حديث ابن مسعود موقوفا، ورواه أبو نعيم الأصبهاني مرفوعا. وفي الباب عن أبي الدرداء وغيره، فلا يغتر بقول من جعله من كلام البخاري. ا. هـ.