لا تكدره الدلاء، يقول: لا يستحيي أحدكم إذا لم يعلم أن يتعلم، وإذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم.
وسئل يوما عن مسألة فقال: لا علم لي بها، ثم قال: وأبردها على الكبد: سئلت عما لا أعلم، فقلت: لا أعلم (1) .
وسأله رجل عن مسألة فأجابه، فقال الرجل: ليس هكذا يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا، فقال عليّ: أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم (2) .
ومن أخلاق العلماء: التواضع.
فالعالم الحق لا يركبه الغرور، ولا يستبد به العُجُب، لأنه يدرك بيقين أن العلم بحر لا شطآن له، ولا يصل أحد إلى قراره، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَمَا أُوْتِيْتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيْلًا} [الإسراء:] .
كما أنه يعلم أن قافلة العلم والعلماء مديدة طويلة، ضاربة في أغوار الماضي، موصولة بالحاضر، ممتدة في المستقبل، وليس هو إلا واحدا منها، فلا ينبغي له أن يغمط فضل السابقين، أو ينكر جهد اللاحقين.
وليس هناك من أحاط بكل شيء علما إلا الله تعالى. أما الإنسان فهو يعرف شيئا وتغيب عنه أشياء، ويعرف اليوم ما كان يجهل بالأمس، ويعرف اليوم ما ينساه في الغد، ويعرف الظاهر من الأشياء دون الباطن، والحاضر دون المستقبل.
وأكثر الناس ادعاء للعلم والمعرفة هم أنصاف المتعلمين، وأشباههم الذين لا يعرفون من العلم إلا القشور دون اللباب، والسطوح دون الأعماق.
وأما من اتسع أفقه، وعمق إدركه، فهو يكتشف مع كل حقيقة جديدة
(1) «كنز العمال» ، جـ 1 حديث رقم 1427.
(2) نفسه، برقم: 1426، وقال: رواه ابن جرير وابن عبد البر في «العلم» .