يريد الحباب بسؤاله أن يستوضح عن اختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - للمكان الذي نزل به؛ أهو بوحي من الله، فلا يسعه إلا السمع والطاعة والتنفيذ بكل دقة، أم هو من التدابير العسكرية التي يتخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - بوصفه قائدا للمعركة وإماما للمسلمين؟ وفي هذه الحالة يستطيع أن يدلي بدلوه، ويشير برأيه، وبخاصة أنه خبير بالمنطقة، عالم بها، وبقلبها، كما ذكر ابن سعد (1) .
وقدم الحباب مشروعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فرحب به، ونزل عن رأيه الأول إليه، وقال بكل شجاعة ووضوح: «لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ» ... ووضع الاقتراح موضع التنفيذ.
واقترح عليه سعد بن معاذ بناء عريش له، يكون فيه، ويشرف على المعركة من بعيد، فأثنى عليه خيرا، ونفذ اقتراحه (2) .
وفي غزوة الأحزاب روي أن سلمان الفارسي أشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفر الخندق حول المدينة، فقبل النبي مشورته وبادر بتنفيذها.
ولهذا، لما أقبل فرسان المشركين تسرع بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله، إن هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها (3) .
ولا عجب أن يقتبس المسلمون من أساليب الفرس أو الروم أو غيرهم ما يمتنعون به من عدوهم، وما يمكنهم من النصر عليه، وكل ما يعود عليهم بالخير في حياتهم، فالوسائل لا حكم لها في ذاتها، وإنما لها حكم مقاصدها.
ويحث النبي - صلى الله عليه وسلم - على اقتباس كل علم ينفع الإسلام وأهله، ولو كان من عند غير المسلمين، كما رأينا كيف استفاد من أسرى المشركين في بدر في تعليم أولاد المسلمين الكتابة، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه:
(1) طبقات ابن سعد جـ 2 ص 15 ط بيروت.
(2) سيرة ابن هشام جـ 2 ص 272 ط دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(3) سيرة ابن هشام جـ 1 ص 235.