وسئل ابن المبارك:"من الناس؟". فقال:"العلماء". قيل:"فمن الملوك؟". قال:"الزهاد".
وقال الغزالي: ولم يجعل غير العالم من الناس، لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هي العلم. فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوة شخصه (جسمه) ، فإن الجمل أقوى منه، ولا بعظمه، فإن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعته، فإن السبع أشجع منه، ولا بأكله، فإن الثور أوسع بطنا منه، ولا ليجامع، فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه، بل لم يخلق إلا للعلم (1) .
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حاجة الإنسان إلى العلم أكثر من حاجته إلى الطعام والشراب.
والعلم في نظر الإسلام ليس مقابلا للإيمان، فضلا عن أن يكون معاديا له، كما شاعت هذه الفكرة في أوروبا في القرون الوسطى، حين وقفت الكنيسة في تلك العصور تؤيد الخرافة، وتحارب العلم، وتناصر الجمود والتقليد، وتقاوم التفكير الحر والابتكار المبدع، وتدافع عن القوى المتسلطة من حكام وإقطاعيين، وتقف في وجه الشعوب والفئات المسحوقة.
الإسلام لم يعرف هذا الصراع بين العلم والإيمان في تاريخه، لأن هذه الفكرة لا مجال لها في تعاليمه، لا نصا ولا روحا.
أما النصرانية، فتقوم أساسا على أن الإيمان قضية لا علاقة لها بالفكر، بل هي ضده، فهي لا تدخل في دائرة العقل والعلم، بل في نظاق الوجدان والقلب، وليس من شرط العقائد أن تكون مقبولة عقلا، بل يحس بها، يكون شيئا فوق العقل. ولهذا كان من الشعارات المرفوعة عند النصارى
(1) الإحياء جـ 1/ 7