فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 161

«آمن، ثم اعلم» ، أو «اعتقد وأنت أعمى» .

وآخر يقول على لسان القسيس: «اغمض عينيك ثم اتبعني» .

وذلك لأن العقيدة النصرانية مؤسسة على قضايا يرفضها العقل المجرد، مثل التثليث، والتخليص، والفداء، وما يتفرع عنها، وما يلحق بها، حتى قال بعض فلاسفة النصارى في بعض معتقداتهم «اللامعقولة» وهو القديس (أوجستين) : أؤمن بهذا لأنه محال!

وهذا على عكس الإسلام الذي يرفض في بناء العقيدة «التقليد» ، و «التبعية» ، كقول من قالوا: {حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [المائدة: 104] ، أو {إِنَا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا} [الأحزاب: 67] ، أو «أَنَا مَعَ النَّاسِ» (1) .

ويرفض أيضا الظن، حيث لا يغني في شأن العقائد إلا العلم واليقين. ولهذا، أنكر على النصارى عقيدتهم في الصلب بقوله: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عَلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] .

وقال في شأن المشركين وآلهتهم المزعومة: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوْهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ، مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، إِنْ يَتَّبِعُوْنَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} [النجم: 23] .

ويأبى القرآن إلا أن تبنى العقائد على أساس البرهان القائم على النظر العميق، والتفكير الهادئ، ولأجل هذا صاح القرآن في أصحاب العقائد الباطلة: {قُلْ: هَاتُوْا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ} [البقرة: 111] .

ولا عجب أن تكررت في القرآن هذه العبارات الموقظة للفكر من غفلته، والمحررة للإنسان من ربقة تقليده وجموده، مثل: {أَفَلَا تَعْقِلُوْنَ} ، {أَفَلَا تَتَفَكَّرُوْنَ} ، {أَفَلَا يَنْظُرُوْنَ} ، {أَوَلَمْ يَنْظُرُوْا} ، {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوْا} ، {لِقَوْمٍ يَعْقِلُوْنَ} ، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُوْنَ} ، {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُوْنَ} .

وحسبك أن تقرأ هذه الدعوة القوية الصريحة إلى التفكير قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ

(1) كما في الحديث الذي رواه الترمذي: «لَا يَكُنْ أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً، يَقُوْلُ: أَنَا مَعَ النَّاسِ، إِنْ أَحْسَنُوْا أَحْسَنْتُ، وَإِنْ أَسَاءُوْا أَسَأْتُ ... »

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت