بِوَاحِدَةٍ: أَنْ تَقُوْمُوْا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوْا [سبأ: 46] .
وهذا ما دعا الأستاذ عباس العقاد - رحمه الله - أن يخرج كتابا عنوانه: «التفكير فريضة إسلامية» ، وهذا تعبير صحيح، فالإسلام كما فرض على الناس أن يتعبدوا، فرض عليهم أن يتفكروا.
فالعقيدة في الإسلام تقوم على العلم، لا على التسليم الأعمى، يقول القرآن: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} [القتال: 19] {اِعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ شَدِيْدُ الْعِقَابِ، وَأَنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ} [المائدة: 98] {وَاعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِيْ أَنْفُسِكُمْ فَاحّذَرُوْهُ، وَاعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ} [البقرة: 235] .
لم يخش القرآن عواقب الدعوة إلى النظر والتفكير والعلم أن تأتي بنتائج تناقض حقائق الدين ومسلماته، لأن فكرة الإسلام: أن الحقيقة الدينية لا يمكن أن تناقض الحقيقة العقلية، فالحق لا ينقض الحق، واليقين لا يعارض اليقين، إنما يعارض اليقين الظن، وتنافي الحقيقة الشك أو الوهم أو الافتراض.
ومن هنا لا يمكن بحال مناقضة صحيح المنقول لصريح المعقول، وإذا بدا لنا في بعض الأحيان تناقض ظاهري، فلا بد أن يكون المنقول غير صحيح أو المعقول غير صريح.
وهذا يقع كثيرا: أن يظن ما ليس من الدين دينا، وأن يحسب ما ليس من العلم علما.
فليست كل أفهام أهل الدين دينا، كما أنه ليست كل نظريات أهل العلم علما.
إن القرآن يعتبر العلم الحق داعية إلى الإيمان، ودليلا إليه. قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِيْنَ أُوْتُوْا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوْا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوْبُهُمْ} [الحج: 54] .
فهذه المعاني الثلاثة مترتب بعضها على بعض:
-فالعلم يتبعه الإيمان تبعية ترتيب بلا تعقيب، ليعلموا فيؤمنوا.