فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 161

-والإيمان تتبعه حركة القلوب من الإخبات والخشوع لله تعالى، وهكذا، يثمر العلم الإيمان، ويثمر الإيمان الإخبات والتواضع لله رب العالمين.

وفي آية أخرى يذكر العلم والإيمان متعاطفين جنبا إلى جنب، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِيْنَ أُوْتُوْا الْعِلْمَ وَالْإِيْمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِيْ كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} [الروم: 56] .

فالعلم والإيمان في الآية الكريمة مقترنان متعاطفان، وليسا من الأضداد التي إذا ثبت أحدهما انتفى الآخر.

وإذا أردنا بالعلم: العلم بمفهومه الشائع اليوم - وهو المادي القائم على المشاهدة الحسية والتجربة - فلا ننكر أيضا قيمة هذا العلم، وحاجة الناس إليه، لأن العلم المادي مطلوب للإنسان ولا شك، ولكنه مطلوب طلب الوسائل، لا طلب الغايات.

وهو يعين الإنسان على الحياة، وييسر له سبلها، ويختصر له الزمان، ويطوي له المكان، فيقرب البعيد، ويلين الحديد، ولكنه وحده لا يستطيع إسعاد البشر، كما لا يمكنه وحده أن يضبط سير البشر، ويقاوم أنانية الإنسان، ونزعات نفسه الأمارة بالسوء.

ولهذا، كان الإنسان في حاجة ماسة إلى «العلم الديني» الذي ينمي الإيمان، ويحيي الضمائر، ويغرس الفضائل، ويقي الإنسان شُحّ نفسه، وطغيان غرائزه على عقله، وهواه على ضميره، وهذا هو الذي يعصم «العلم المادي» من الانحراف، ويحول دون استخدامه في التدمير والعدوان.

وقد ضرب لنا القرآن مثلا بسليمان - عليه السلام - الذي آتاه الله ملكا لم يؤته أحدا من بعده.

فقد أحضر إليه عرش بلقيس من سبأ باليمن إلى مقره بالشام، قبل أن يرتد إليه طرفه، بفضل ذلك الذي وصفه القرآن بأنه {عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [] ، وهنا تجلى الإيمان حين أرجع سليمان الفضل إلى الله، لا إلى نفسه، فلم يركبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت