الغرور، أو يستبد به الطغيان {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّيْ لِيَبْلُوَنِيْ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ، وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّيْ غَنِيٌّ كَرِيْمٌ} [النمل: 40] .
وكذلك كان موقف ذي القرنين الذي فتح الفتوح غربا وشرقا، وتوج حكمه بإقامة سدة العظيم، مستخدما ما يَسَّرَه له علم عصره من وسائل وأدوات، فلما أتم البناء قال في تواضع المؤمنين: {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّيْ، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّيْ جَعَلَهُ دَكَّاءَ، وَكَانَ وَعْدُ رَبِّيْ حَقًّا} [الكهف: 98] .
ألا، إن العلم الحق هو الذي يهدي إلى الإيمان، والإيمان الحق هو الذي يفسح مجالا للعلم، فهما إذا شريكان متفاهمان، بل أخوان متعاونان.
وهذا هو العلم الذي يريده الإسلام أيا كان موضعه، ومجال بحثه، يريده علما في ظل الإيمان، وفي خدمة مثله العليا، وإلى ذلك أشار القرآن حين قال في أول آية نزلت: {اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقَ} [العلق: 1] ، والقراءة عنوان العلم ومفتاحه ومصباحه، فإذا كان أول أمر إلهي نزل به القرآن «القراءة» ، كان ذلك أوضح دليل على مكانة العلم في الإسلام.
ولكن القرآن لم يطلب «مطلق القراءة» ، وإنما طلب قراءة مقيدة بقيد خاص، وهو أن تكون «باسم الله» .
وإذا كانت القراءة باسم الله، فقد وجهت إلى الحق والخير والهداية، لأن الله تعالى هو مصدر هذا كله.
ولا غرو أن نشأ العلم في الإسلام في أحضان الدين، وأن نشأت المدارس في صحون المساجد، وبدأت الجامعات الإسلامية العريقة تحت سقوف الجوامع، بل سمي كل منها جامعا: جامع الأزهر، جامع القرويين، جامع الزيتونة ... وهكذا.
وكانت هذه الجوامع أو الجامعات تدرس علوم الدين، وعلوم الدنيا معا، وكان كثير من العلماء التجريبيين هم في نفس الوقت علماء دين، مثل القاضي ابن رشد الحفيد، مؤلف «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» في الفقه المقارن