وإذا كان عصرنا يعتبر استخدام أسلوب الإحصاء من أبرز دلائل الطريقة العلمية في معالجة الأمور، وهو فارق مميز بين العلميين والعشوائيين، أو الغوغائيين من الناس، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بادر إلى الانتفاع بالإحصاء منذ عهد مبكر من إقامة دولته بالمدينة.
فقد روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فقال: «أَحْصُوْا لِيْ كَمْ يَلْفِظُ الْإِسْلَامَ»
وفي رواية للبخاري أنه قال: «اُكْتُبُوْا لِيْ مَنْ يَلْفِظُ بِالْإِسْلَامِ مِنَ النَّاسِ» ، قال حذيفة: فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل (1) ... الحديث.
فهو إحصاء كتابي يراد تدوينه وتثبيته، وذلك ليعرف عليه الصلاة والسلام مقدار القوة البشرية الضاربة التي يستطيع بها أن يواجه أعداءه المتربصين به، ولهذا كان الإحصاء للرجال فقط، أي القادرين على القتال.
والإحصاء الذي تم في عهد مبكر من حياة الدولة المسلمة، وتم بأمر من الرسول نفسه في سهولة ويسر، يرينا إلى أي حد يرحب الإسلام باستخدام الوسائل العلمية.
وفي مقابل هذا، نجد في"العهد القديم"أن أحد أنبياء بني إسرائيل أراد أن يعمل لهم إحصاء، فنزلت عقوبة سماوية بهم! كأنما (الإحصاء) يمثل تحديا للقدر أو للإرادة الإلهية، وهذا ما استنبط منه الفيلسوف المعاصر الشهير"برتراند راسل"أن"التوراة"والكتاب المقدس لا يتيح مناخا مناسبا لإنشاء عقلية علمية.
وإذا كان الإحصاء من دلائل الطريقة العلمية، فالتخطيط كذلك، بل هو أوضح دلالة عليها، والتخطيط إنما يعتمد على الإحصاء، ويراد بالتخطيط
(1) انظر: «جامع الأصول» جـ 10 ص 100 حديث 7570 تحقيق عبد القادر الأرناؤوط.