فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 161

وضع خطة لمواجهة احتمالات المستقبل، وتحقيق الأهداف المنشودة.

ومن الناس من يتصورون أو يصورون الدين في موقف المعارض أو المناقض لفكرة التخطيط العلمي للمستقبل. وهذا من أثر الفكرة القديمة التي جعلت العلم مقابلا للإيمان، فهما ضدان لا يجتمعان، أو خطان متوازيان لا يلتقيان.

والحقيقة أن فكرة الدين في جوهرها قائمة على أساس التخطيط للمستقبل، ففيه يأخذ المرء المتدين من يومه لغده، وبعبارة أخرى من حياته لموته، ومن دنياه لآخرته، ولا بد له أن يخطط حياته، ويضع لنفسه منهاجا يوصله إلى الغاية، وهي رضوان الله ومثوبته.

وفي القرآن الكريم قصة جعلها الله عبرة لأولي الألبات، وهي قصة نبي الله يوسف عليه السلام، وفيها يذكر القرآن لنا مشروع تخطيط للاقتصاد الزراعي لمدة خمسة عشر عاما، لمواجهة أزمة غذائية عامة. عرف يوسف - بما ألهمه الله، وعلمه من تأويل الأحاديث - أنها ستصيب المنطقة كلها، وقد اقترح يوسف عليه السلام مشروع الخطة. ووكل إليه تنفيذها، وكان فيها الخير والبركة على مصر وما حولها، قال: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف: 47 - 49] .

ويظن آخرون أن التخطيط للغد ينافي التوكل على الله، أو الإيمان بقضائه وقدره، ولهذا يستبعدون كل الاستبعاد أن يقبل الدين فكرة التخطيط، فضلا عن أن يوجه إليه، أو يحث عليه.

والحق أن الذي يتعمق في دراسة كتاب الله، وسنة رسوله، يتبين له أنهما يرفضان الارتجال والعشوائية، وترك الأمور تجري في أعنتها بغير ضابط، ولا رابط، ولا نظام. وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن التوكل على الله لا يعني إطراح الأسباب أو إغفال السنن، التي أقام الله عليها نظام هذا الوجود، ولا يكاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت