مسلم يجهل قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وترك ناقته أمام المسجد قائلا: يا رسول الله، أأعقل وأتوكل أم أطلقها وأتوكل؟ فقال له: «اِعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» (1) .
وقال الإمام الطبري يرد على من زعم أن تعاطي الأسباب يؤثر في كمال التوكل: الحق أن من وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماضٍ، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، اتباعا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر - صلى الله عليه وسلم - بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك (2) .
ومن قرأ سيرته عليه الصلاة والسلام، وجد أنه كان يُعِدُّ لكل أمر عُدَّته، ويُهَيِّئُ له أسبابه وأهميته، آخذا حذره، مقدرا كافة الاحتمالات، واضعا ما أمكنه من الاحتياطات، مع أنه كان أقوى المتوكلين على الله تعالى.
فهو حين أمر أصحابه - بعد أن اشتد إيذاء قريش لهم - بالهجرة إلى الحبشة، لم يكن هذا الأمر اعتباطا، أو رمية من غير رام، بل كان نتيجة معرفة بالظروف الجغرافية، والدينية، والسياسية للحبشة في ذلك الوقت.
فلم يكن من الحكمة ولا من حسن الخطة أن يأمرهم بالهجرة إلى مكان - مهما بعد - في شبه جزيرة العرب - فإن قريشا - بما لها من نفوذ ديني وأدبي - تستطيع أن تلاحقهم.
ولم يكن من الحكمة ولا من حسن الخطة أن يذهبوا إلى بلد تحت سيطرة الفرس أو الروم، حيث يحكمها أباطرة لا يقبلون مثل هذه الدعوة الجديدة.
(1) رواه الترمذي من حديث أنس، وقال: غريب أي ضعيف، وأنكره يحيى القطان، لكن أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث عمر بن أبي أمية الضمري، وإسناده - كما قال الزركشي - صحيح، ورواه عنه أيضا ابن خزيمة في صحيحه بلفظ «قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ» ، وإسناده - كما قال الزين العراقي: جيد، انظر: «فيض القدير» ، ص 7 حديث 1191.
(2) نقله الشوكاني في «نيل الأوطار» ، جـ 9 ص 92 ط دار الجيل - بيروت.