فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 161

وفي رواية: «لَا تَلْعَنْهُ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ» (1) .

وإياك أن تحسب - أخي القارئ - أن الرفق بالمخطئ يعني: السكوت على خطئه والإغضاء عنه، وفي هذا إقرار للخطأ، بل تشجيع وإشاعة له.

كلا، فالرفق بالمخطئ، والإشفاق عليه لا ينافي تنبيهه على خطئه، بل زجره عنه بالرفق المناسب لظروف المخطئ ومدى خطئه ونوعه ودوافعه، وإرشاده إلى الصواب والوضع الصحيح بالتي هي أحسن، ولهذا رأيناه - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ترك الأعرابي يبول في المسجد دون أن تُقطع عليه بولته، وبعد أن أمر بصبّ دلو من ماء عليه. وبعد أن قال لأصحابه ما قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِيْنَ» .. دعاه فقال له: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» ، وفي هذا - كما يقول الإمام النووي - الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير إيذاء.

وكذلك حين دعا الأعرابي فقال: «اَللَهُمَّ ارْحَمْنِيْ وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا» نبّهه النبي - صلى الله عليه وسلم - برفق إلى أنه ضيق واسعا، حين طلب الرحمة له وللرسول دون غيرهما، مع أن رحمته تعالى وسعت كل شيء. ولهذا قال له: «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا» !!

وقد يكون هذا التنبيه أو الإرشاد أو الزجر من باب التعريض، لا التصريح، وبالتعميم لا بالتخصيص، ويدرك المخطئ حين يسمع اللفظ العام أنه المقصود، مثل: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُوْنَ كَذَا وَكَذَا» ، مثل ما ذكره في قصة من هاجر من مكة إلى المدينة من أجل امرأة يهواها، وأطلق عليه بعض الصحابة: مهاجر أم قيس، وقالوا: إنه كان سببا في ورود الحديث المشهور: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ

(1) انظر: فتح الباري - كتاب الحدود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت