فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 161

حد الإغراب والإثارة. ورغم غرابة طلبه الذي أثار الجالسين عليه، لم يكن منه - صلى الله عليه وسلم - إلا أن لقيه بهذا الرفق العجيب والحوار الهادئ الذي يحمل المنطق المقنع والروح المحبب، ثم أنهى هذا الحوار بلمسة حنان على صدر الفتى المتوقد، ومع اللمسة دعوات خالصة لله تعالى أن يغفر للفتى ويطهره ويحصنه، فإذا هو يخرج من مجلس الرسول الكريم، كأنما كان هذا اللقاء لنار شهوته بردا وسلاما.

ولا تظن أيها القارئ الكريم أن هذا الأثر الذي تركه موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفس الشاب من هدوء نفس وإعراض عن الزنى الذي كان يتوق إليه ويرغب فيه، كان معجزة خارقة للنبي - عليه الصلاة والسلام - ولا تتكرر لغيره إلا من باب الكرامات، وخوارق العادات، كلا، فإن أي معلم رباني الوجهة، نبوي الطريقة، يقتدي بروسل الله - صلى الله عليه وسلم - في سلوكه، قولا وعملا وروحا، سيجد - بتوفيق الله تعالى - نفس الأثر، أو قريبا منه، وفقا لسنة الله تعالى.

وأولى المخطئين بالإشفاق من كان خطؤه عن جهل أو غفلة، أو ضعف، بخاصة من أخطأ لأول مرة، مثل الأعرابي، والشاب القرشي السابق ذكرهما.

ولكن قارئ السنة يجده - عليه الصلاة والسلام - يسع بحلمه، ورفقه من أصرّ على الخطأ والمعصية نتيجة ضعف إرادته، وغلبة عادته، استبقاء له في دائرة الإيمان، وفي خظيرة المؤمنين، وتنبيها له بحسن المعاملة على سوء صنيعه، عسى أن يستيقظ ضميره فيتوب من زلّته، وينهض من سقطته.

وهل نجد مثلا في هذا المجال أوضح من قصة ذلك الصحابي المعروف الذي اشتهر باسمه، والذي ولع بالخمر إلى حد الإدمان، ولم يردعه أن ضُرِب فيها غير مرة، حتى قال بعض الصحابة يوما، وقد ضاق صدرُه بكثرة ما قبض عليه في هذه الجريمة: ما له، لعنه الله؟ ما أكثر ما يؤتى به! وهنا، تتجلى الرحمة المحمدية، والرفق النبوي الرفيع، فيقول: «لَا تَكُنْ عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيْكَ» أو «لَا تَكُوْنُوا عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيْكُمْ»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت