فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه، فقال له: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَو الصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» - أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء فَشَنّه عليه (1) .
وروى الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: دخل أعرابي المسجد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس، فصلى، فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لَقَدْ تَجَجَّرْتَ وَاسِعًا» .. فلم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أَهْرِيْقُوْا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ - أَوْ دَلْوٍ مِنْ مَاءٍ» - ثم قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِيْنَ، وَلَمْ تُبْعَثُوْا مُعَسِّرِيْنَ» (2) .
راعى الرسول الكريم بداوة الرجل ونشأته وظروف حياته، فلم يستجب لثورة أصحابه وهياجهم عليه، وعرفهم أن علاج الأمر سهل في مسجد لم يكن مفروشا إلا بالحصباء، وهو صب دلو من ماء، ثم نبههم على طبيعة رسالتهم التي كلفوا حملها للناس، وهو التيسير لا التعسير.
وروى أبو أمامة: أن فتى من قريش جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ائذن لي في الزنى؟ فأقبل القوم عليه وزجروه، فقال - صلى الله عليه وسلم: «اُدْنُهُ» ، فدنا، فقال: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قال: لا والله، جعلني الله فداك: قال: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّوْنَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ» ثم قال له مثل ذلك في ابنته وأخته وعمته وخالته. وفي كل ذلك يقول: «أَتُحِبُّهُ هَكَذَا؟» فيقول: لا والله، جعلني الله فداك! فيقول - صلى الله عليه وسلم - «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّوْنَهُ» ، ثم وضع يده عليه، وقال: «اَللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ» فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء (3) .
فهذا شاب عارم الشهوة، ثائر الغريزة، صريح في التعبير عن نوازعه إلى
(1) الحديث رقم 285 في صحيحه باب - 3 - كتاب الطهارة جـ 1 تحقيقي محمد فؤاد عبد الباقي.
(2) رواه الترمذي عن أبي هريرة وقال: حديث حسن صحيح، انظر سنن الترمذي جـ 1 ص 112.
(3) رواه أحمد، والطبراني في الكبير كما في جمع الفوائد وأعذب الموارد حديث 240.