فهذا هو موقف العالم الأمين: ألا يعيب من سأله، ولا يفتي من استفتاه إلا بما يستفتيه ويتبيّنه.
أما من أفتى بغير علم، أو أشار على من يستشيره بغير ما يعتقد، فقد خان الأمانة، واستحق من الله العقوبة. وفي الحديث: «مَنْ أُفْتِيَ - بصيغة المبني للمجهول - بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ، وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيْهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِيْ غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ» (1) .
وهكذا تعلم أصحابه - صلى الله عليه وسلم - ومن تبعهم بإحسان من علماء الأمة، فلم يهابوا أن يقولوا: لا ندري فيما لا يدرون، وأن يردهم من دونهم إلى الصواب، فيرجعوا جهرة غير متأففين، ولا مستكبرين، وأن يغيروا فتواهم إذا تغير اجتهادهم غير خزايا ولا متحرجين.
يقول الإمام محمد بن سيرين: لم يكن أحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر، وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد لها من كتاب الله تعالى أصلا، ولا في السنة أثرا، فقال: أجتهد رأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني، وأستغفر الله (2) .
وهذا عمر أمير المؤمنين ترده امرأة، وهو يخطب على المنبر في شأن صداق النساء، فلا يستنكف أن يخطئ نفسه على مرأى ومسمع من الناس قائلا: كل الناس أفقه من عمر! (3)
وأفتى عمر في المسألة المعروفة في الميراث بـ (الحمارية) ، أو (المشتركة) في سنة، فلَمْ يُشَرِّك فيها، فلما كان العام المقبل شَرَّك فيها، فلما قيل له في ذلك قال: تلك ما قضينا، وهذي على ما قضينا. (رواه الترمذي) .
وهذا أمير المؤمنين (علي) أقضى الأمة، وحلال المعضلات، والبحر الذي
(1) رواه أبو داود، والحاكم عن أبي هريرة.
(2) ابن سعد، وابن عبد البر في «العلم» كما في «كنز العمال» ، جـ 1 حديث رقم 1419.
(3) ذكرها ابن كثير في «التفسير» (1/ 467) ، ط الحلبي، ونسبها إلى أبي يعلى، وقال: إسناده جيد وقوي.