فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 161

فالدنيا ليست مذمومة لذاتها، كيف وقد كان كثير من العلماء الكبار أغنياء، مثل الليث بن سعد، وأبي حنيفة وغيرهما؟ بل كان في كبار الصحابة أغنياء ذوو ثروات طائلة مثل عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وطلحة والزبير من العشرة المبشرين بالجنة، بل كان في الأنبياء أغنياء، مثل يوسف، وداود، وسليمان، الذين آتاهم الله النبوة والملك معا.

والدنيا إنما ذمت هنا، لأنها أريدت بعمل الآخرة، وعلم الآخرة، ولهذا قيّده في الحديث بقوله: « ... عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ... » وهو علم الدين. وكيف تذم الدنيا في حد ذاتها، وقد صح في الحديث: «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ؟ (1) .

وكيف تذم الدنيا لذاتها وهي مزرعة الآخرة؟ ولهذا قال العلامة القاري في"المرقاة":"أفهم الحديث أن من أخلص قصده فتعلم لله لا يضره حصول الدنيا له من غير قصدها بتعلمه، بل من شأن الإخلاص بالعلم أن تأتي الدنيا لصاحبه راغمة، كما ورد: «مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِيْ قَلْبِهِ، وَتَأْتِيْهِ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» " (2) .

ومن المعروف أن معظم طلاب العلم في عصرنا، لا يتجهون إلى العلم بنية سابقة، ورغبة مبيتة، بل يوجههم إليه - في صغرهم - أباؤهم وأولياء أمورهم، أو يوجههم إليه - رغما عنهم - مجموع درجاتهم في بعض المواد أو كلها، أو توجههم ظروف خاصة بهم، مثل ألا يكون في البلد إلا لون معيّن من الدراسة يفرض عليهم، رضوا أم سخطوا. ثم لا يلبثون إذا أدركوا ونضجوا أن يجدوا أنفسهم في معهد ديني، أو مدرسة شرعية، ولو خُيّر اليوم ما اختار هذا الطريق فهذه دراسة بلا نية، لأن صاحبها أُجْبر عليها، ولم يكن له حق الاختيار، وإنما النية مع الاختيار.

وينبغي لمن وضعته الأقدار في هذا الموضع من تعلم الدين ودراسة علوم

(1) رواه أحمد بسند جيد كما قال العراقي في"تخريج الأحياء".

(2) المرقاة شرح المشكاة ص 236 وهو في سنن ابن ماجه رقم (4105) بنحوه، وقال في"الزوائد":"إسناده صحيح، رجاله ثقات".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت