في المعاملات، وقسمة الوصايا، والمواريث، وغيرهما. وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم به، حرج أهل البلد، (أي: أثموا) ، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين. فلا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضا من فروض الكفاية؛ كالفلاحة، والحياكة، والسياسة، بل الحجامة، والخياطة. فإنه لو خلا البلد من الحجام، تسارع الهلاك إليهم، وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك. فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، وأرشد إلى استعماله، وأعدّ الأسباب لتعاطيه، فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله. وأما ما يعد فضيلة لا فريضة، فالتعمق في دقائق الحساب، وحقائق الطب، وغير ذلك مما يُستغنى عنه، ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه.
وأما المذموم: فعلم السحر، والطلسمات، وعلم الشعوذة والتلبيسات.
وأما المباح منه: فالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها، والتواريخ والأخبار وما يجري مجراه (1) . ا. هـ.
وفي بعض ما ذكره الإمام أبو حامد هنا نظر، بالنسبة لعصرنا. فإن اتساع نطاق العلوم اليوم، وانقسام كل منها إلى فروع، وكل فرع إلى تخصصات دقيقة، يخالف ما اعتبره الغزالي من باب التعمق المستغنى عنه في دقائق الحساب، وحقائق الطب، وعدّه بذلك فضيلة لا فريضة.
فالواقع أن هذا التعمق اليوم أصبح لازما لكل طب ناجح، أو محاسبة ناجحة، وقد تطور علم الطب، والعلوم التي تخدمه تطورا كبيرا، وكذلك علم الرياضيات، وكذلك علوم الطبيعة التي ذكر الغزالي نفسه في مقام آخر أنه لا حاجة إليها!! بخلاف الطب فإنه محتاج إليه (2) .
وربما كان الإمام الغزالي - رحمه الله - معذورا فيما ذكره من العلوم والرياضيات في عصره، فقد كانت ممزوجة بالفلسفة، غير منفصلة عنها، وكان
(1) إحياء علوم الدين للغزالي جـ1 ص 16.
(2) الإحياء جـ 1 ص 22.