فهذا مربي الروح والروحُ جوهرُ ÷ وذاك مربي الجسم والجسمُ كالصدف!
وقال الحسن: لولا العلماء - أي المعلمون - لصار الناس مثل البهائم! أي أنهم بالتعليم يخرجونهم من حضيض البهيمية إلى أفق الإنسانية.
ومن أجل هذا، جاءت الأحاديث بتوقير العلماء، وإكرامهم، حتى بعد موتهم.
وعن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد (يعني: في القبر) ثم يقول: أيهما أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد (1) . وفي هذا التقديم رمز لتكريمه لفضل ما معه من قرآن أكثر.
وعن أبي موسى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» (2) .
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا» (3) أي يعرف له حقه.
وحسبنا أن نذكر ونذكّر هنا بقصة نبي الله وكليمه موسى بن عمران الذي اصطفاه الله برسالاته وبكلامه، وآتاه التوراة فيها موعظة وتفصيل لكل شيء في زمنه. فلما أعلمه الله بما عند الخضر من علم ليس عنده، رحل موسى إليه كما أشرنا إلى ذلك من قبل، واستعذب العذاب في سبيل ملاقاته والاستفادة منه، فلما وجده، قال له موسى في أدب التلميذ وتواضع المتعلم: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا؟} [الكهف: 66] ، بهذه الصيغة الحاسمة {هَلْ أَتَّبِعُكَ} فهو اتباع وليس رفقة أو مصاحبة، وهو يستأذنه في هذا، لأن المعلم المتطوع هو صاحب الحق في انتقاء طلبته: يقبل من يشاء، ويرفض من يريد، ولا معقب عليه. هذا على الرغم من فضل موسى عليه بيقين، فهو قد
(1) رواه البخاري - ترغيب 164.
(2) رواه أبو داود - ترغيب 165، والمقسط: العادل.
(3) رواه أحمد بإسناد حسن، والطبراني، والحاكم، إلا أنه قال: ليس منا.