الطريق، وقال في ذلك قائلهم، وهو فخر الدين الرازي؛ إمام المتكلمين في عصره، وصاحب التفسير الكبير، والكتب المشهورة في الكلام والأصول:
العلم للرحمن جل جلاله ÷ وسواه في جهلاته يتغمغم
ما للتراب وللعلوم، وإنما ÷ يسعى ليعلم أنه لا يعلم؟
وقد روى مثل هذا عن عدد من الكبار، مثل الباقلاني، وإمام الحرمين، والشهرستاني، وغيرهم.
وقد جاء في الحديث ذم أولئك المدعين المغرورين المنتفخين بما قرؤوا، أو حصلوا من علم. ولو كانوا علماء حقا لعرفوا قدر أنفسهم، وأنهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلا، بل أقل من القليل.
عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يَظْهَرُ الْإِسْلَامُ حَتَّى تَخْتَلِفَ التُّجَارُ فِي الْبَحْرِ، وَحَتَّى تَخُوْضَ الْخَيْلُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ يَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآنَ يَقُوْلُوْنَ: مَنْ أَقْرَأُ مِنَّا؟ مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا؟ مَنْ أَفْقَهُ مِنَّا؟ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ فِيْ أُوْلَئِكَ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالُوْا: اَللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أُوْلَئِكَ مِنْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَوْلَئِكَ هُمْ وَقُوْدُ النَّارِ» (1) .
وإذا روق العالم التواضع، وقف عند حده، وأنصف غيره، وعرف له حقه، ولم يتطاول على الناس بالادعاء الباطل.
روى أبو عمر بن عبد البر عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس قال: لما حج أبو جعفر المنصور دعاني، فدخلت عليه فحدثته، وسأل فأجبته، فقال: إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها - يعني: الموطأ - فتنسخ نسخا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، لا يتعدوها إلى غيرها، ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث، فإني رأيت أصل هذا العلم رواية أهل المدينة وعلمهم.
(1) قال المنذري في «الترغيب» حديث رقم 229. ورواه الطبراني في «الأوسط» ، والبزار، بإسناد لا بأس به، ورواه أبو يعلى والبزار والطبري أيضا من حديث العباس بن عبد المطلب، وذكر المنذري حديثا آخر عن ابن عباس مرفوعا يعد شاهدا له، وقال فيه: رواه الطبراني في «الكبير» وإسناده حسن إن شاء الله تعالى.