فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 161

وهو يشعر بأنه أغنى من قارون. وفي الحديث: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعِرْضِ، إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (1) .

هذا الغنى النفسي هو الذي صوره الإمام الشافعي فيما نسب إليه من شعر قوي عميق:

أمطري لؤلؤا جبال سرنديب ÷ وفيضي آبار تبريز تبرا!

أنا إن عشت لست أعدم قوتا ÷ وإذا مت لست أعدم قبرا!

همتي همة الملوك ونفسي ÷ نفس حر ترى المذلة كفرا!

وإذا ما قنعت بالقوت عمري ÷ فلماذا أهاب زيدا وعمرا؟!

ولما دخل أبو حازم على الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك يطلب منه، وسأله فأجابه بقوة المؤمن، وعزة العالم، دون مجاملة في الحق، ولا مداهنة في الدين، فأعجب به الرجل، وقال له:

هل لك أن تصحبنا - يا أبا حازم - فتصيب منا ونصيب منك؟ قال: أعوذ بالله! قال له سليمان: ولِمَ ذاك؟ قال: أخشى أن أركن شيئا قليلا، فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات ... وقال له سليمان: ارفع إلينا حوائجك! قال: تنجيني من النار وتدخلني الجنة؟! قال: ليس ذلك إليّ. قال: فما لي إليك حاجة غيرها (2) .

هذه هي عزة العلماء! عزتهم لأنهم يحفظون في صدورهم كلمات الله، ويحملون في أيديهم مصابيح الهداية، ويملكون في خزائن قلوبهم أغلى الكنوز، وأثمن الثروات، وأشراف المواريث، وهو تراث النبوة، التي بغيرها يعيش الخلق في تِيْه المادية، وظلام الجاهلية، وضلالات الأهواء والأوهام. فمن أقوم منهم قيلا، وأهدى سبيلا؟

ولهذا، روي في الحديث: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ رَأَى أَنَّ أَحَدًا أُوْتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوْتِيَ، فَقَدْ اِسْتَصْغَرَ مَا عَظَّمَ اللهُ تَعَالَى» (3) .

(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة.

(2) أخرجه الدارمي في سننه جـ 1/ 125.

(3) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر بسند ضعيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت