فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 161

ومعنى هذا: أن على المعلم - كما على الداعية والمحدث - أن يراعي الطاقة النفسية للناس، فإن من يستمع أو يتعلم وهو كاره لا يستفيد مما يتلقاه - فهو يسمع بأذنه ولا يعي بقلبه. وكما أن للإنسان طاقة بدنية محدودة يجب أن تراعى، فلا يحمل من الأثقال المادية ما لا يطيق، فكذلك طاقته النفسية.

وعلى هذا الأساس، يجب أن توضع مناهج التعليم وتؤلف كتبه، وتحدد مقرراته، بحيث يقبل المتعلمون على العلم وهو نشيطون راغبون.

ومن حسن الطريقة في التعليم أن يدخل المعلم على درسه بعض المروّحات عن النفس من الملح، أو الطرائف، أو الأشعار، حتى لا تسأم النفوس، وتملّ القلوب، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمزح ولا يقول إلا حقا.

وقد رويت عنه ألوان من الدعابة الحلوة التي تدخل على القلوب الأنس بلا إسفاف ولا إسراف (1) .

وقال علي: اجمعوا هذه القلوب وابتغوا لها طرائف الحكمة، فإنها تملّ، كما تملّ الأبدان.

وعنه أيضا: روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلب إذا أكره عمي.

وقال أبو خالد الوالي: كنا نجالس - أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - فيتناشدون الأشعار، ويتذكرون أيامهم في الجاهلية.

وكان القاسم بن محمد - أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين - إذا أكثروا عليه من المسائل قال: إن لحديث العرب، وحديث الناس نصيبا من الحديث، فلا تكثروا علينا من هذا.

وكان ابن شهاب الزهري يحدث، ثم يقول: هاتوا من أشعاركم، هاتوا من أحاديثكم، فإن الأذن مجاجة، والنفس حمضة.

وفي هذا اللون من ترويح الأنفس فائدتان:

الأولى: مطاردة السآمة، وإزالة آثار ما يصيب البدن من كلل، والنفس من

(1) روت كتب السنة من ذلك أكثر من واقعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت