فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 161

ومن منا يجهل موقفه يوم أهمّ قريشًا أمرُ المرأة المخزومية التي سرقت، وعَزّ عليهم أن تنفذ فيها عقوبة القطع التي أمر الله بها في كتابه للسارقة وللسارق {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ} ؟

ولجأوا إلى أسامة بن زيد حبّ رسول الله، وابن حِبّه يشفعونه في هذا الأمر الخطير: أن يعفي المرأة من حد القطع، ويقبل منها أي غرامة أو عقوبة أخرى. ناسين أن العاطفة شيء، وإقامة حد الله شيء آخر. فكان لا بد من درس مبدئي يثبت معنى المساواة في العقوبات، كما هي ثابتة في كل التكاليف، ويزيل أوهام الفوارق الطبقية بين الناس: أشراف وعامة، ويعلن في قوة، أن شرع الله يسود الجميع، ويحكم الجميع، وكلمته هي العليا، وكل كلمة عداه هي السفلى.

هنا جاء الدرس التربوي في حينه، وفي موضعه، فسمعته الآذان، وفقهته العقول، ووعته القلوب: «أَتَشْفَعُ فِيْ حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ يَا أُسَامَةُ؟! إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوْا إِذَا سَرَقَ فِيْهِمُ الشَّرِيْفُ تَرَكُوْهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيْهِمُ الضَّعِيْفُ أَقَامُوْا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأَيْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» !

ومن نسي فلن ينسى موقفه - صلى الله عليه وسلم - يوم مات ابنه إبراهيم، واتفق أن كسفت الشمس في نفس ذلك اليوم، وكانت مناسبة ليقول قائلون: إنها كسفت لموت ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان مثل هذا الاعتقاد رائجا في الجاهلية: انكساف الشمس أو القمر لموت عظيم من العظماء، ولو كان - صلى الله عليه وسلم - من أولئك الذين يبنون لأنفسهم، ولأسرهم، عظمة زائفة عن طريق الدجل والمبالغات، لسكت على هذا القول، الذي يوافق ما كان معروفا عند الناس، ولكنه انتهز الفرصة ليصحح المفاهيم، ويطارد الخرافة، ويقرر الحقيقة العلمية النافعة، وقال في وضوح مؤمن، وفي إيمان واضح: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا تَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ» .

وقدم يوما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جماعة من عرب مضر، فقراء بدتْ عليهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت