جديرة بأن تعكر بحرا، على عمقه وسعته، هذا مع أنها أحب نسائه إليه.
وأحيانا يشتد النكير ويعلو الصوت بالتنديد، في غير إسفاف ولا إسراف، وذلك حين لا يكون الخطأ مجرد خطأ في سلوك جزئي فردي، بل يمثل بداية انحراف في الاتجاه، وفي المنهج، كقوله لعمر حين رأى معه بعض كتب أهل الكتاب المحرفة: «أَمُتَهَوِّكُوْنَ - أي: أَمُتَحَيِّرُوْنَ - فِيْهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! وَاللهِ، لَوْ كَانَ مُوْسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِيْ» (1) .
ونحو ذلك لما شكا إليه بعض أصحابه أنه يتأخر عن الجماعة لما يجد من تطويل الإمام بهم، إلى حد جعله يهرب من الصلاة في الجماعة. قال أبو مسعود الأنصاري رواي هذا الحديث: فما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشد غضبا من يومئذ، فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُوْنَ! فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيْهِمُ الْمَرِيْضَ، وَالضَّعِيْفَ، وَذَا الْحَاجَةِ» (2) .
وتشتد اللهجة بالإنكار أكثر وأكثر حينما يتمثل هذا الانحراف في جماعة أو كتلة، كقوله - حينما تنادى الأوس: يا للأوس، وتنادى الخزرج: يا للخزرج!: «أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟!» (3) .
وقوله للثلاثة الذين قرر أحدهم قيام الليل كله، والثاني: صيام الدهر كله، والثالث: اعتزال النساء أبدا: «أَمَا، إِنِّيْ أَخْشَاكُمْ للهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، وَلَكِنِّيْ أَقُوْمُ وَأَنَامُ، وَأَصُوْمُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّيْ» (4) .
ومثل ذلك ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنه - صلى الله عليه وسلم - سمع قوما يتمارون في القرآن، فقال: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، ضَرَبُوْا كِتَابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا
(1) سيأتي تخريجه في الفصل الخامس.
(2) رواه البخاري - باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره.
(3) ذكره ابن كثير في تفسيره عن ابن إسحاق.
(4) رواه البخاري.