الأمر وألا تقطع فيه برأي حتى تشاور أبويها. وهنا قالت عائشة - رضي الله عنها في حسم ويقين: أفيك أستأمر أبويّ يا رسول الله؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة. ثم بدت الطبيعة البشرية النسوية فغلبت على عائشة، فطلبت منه - عليه الصلاة والسلام - ألّا يخبر أحدا من نسائه بما اختارته حتى لا يؤثر موقفها في موقفهن، كأنما تريد لهن جميعا أن يخترن الدنيا وزينتها، وتنفرد هي بهذه المزية، ويخلو لها وجهه - صلى الله عليه وسلم -. وهنا يتجلى المعنى التربوي الكبير في موقفه - عليه الصلاة والسلام - حين قال لها: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِيْ مُعَنِّتًا وَلَى مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِيْ مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا» (1) .
فلم يُقِر الصديقة بنت الصديق على نزعتها تلك، وبيّن لها وظيفته التي لا يتركها ولا تتركه، وهي: أنه معلّم، ومعلّم ميسّر، غير معنّت ولا متعنّت.
قال العلامة المناوي: فيه إشعار بأن من دقائق صناعة التعليم: أن يزجر المعلم المتعلم عن سوء الأخلاق باللطف، والتعريض ما أمكن من غير تصريح، وبطريق الرحمة من غير توبيخ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، وتهبيج الحرص على الإصرار. ذكره الغزالي (2) .
غير أننا نجد النبي - صلى الله عليه وسلم - يزجر عائشة نفسها على خطأ ارتكبته في موقف آخر، وكان الزجر بطريقة فيها لون من الشدة يغاير ما ذكرناه سابقا. وذلك أنها اعتدت على حق ضرة من ضرائرها من أمهات المؤمنين، فقد قالت للرسول - صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا. قال بعض الرواة: تعني: قصيرة، فقال: «يَا عَائِشَةُ، لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزِجَتْهُ» (3) .
يعني: أن هذه الكلمة أو هذه الإشارة التي لم تصل إلى التصريح الكامل
(1) أخرجه مسلم.
(2) نقله المناوي في فيض القدير.
(3) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح - ترغيب 4092.