فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 161

صُدُوْرِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ» (1) (أي: عن وجهتهم) .

فهذا العربي الغفل، الحديث العهد بالإسلام، يدخل الصلاة ويتصرف فيها كأنما هو في مجلس من مجالس القوم: يشمت العاطس، ويكلم من حوله، ويردّ على من أنكر عليه، والصحابة يرون هذا منه وينبهونه بنظرات أعينهم وحركات أيديهم، وهو لا ينتبه إلى خطئه حتى فرغ من صلاته، وحكوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما صنعه في صلاته. وهنا تتجلى روح المعلم الحق، وأسلوبه الرفيق الرقيق في معالجة الخطأ وتنبيه المخطئين، وتعليم المبتدئين، وهو ما لحظه هذا الرجل الأمي البسيط بنور فظرته، وعبر عنه بعباراته القوية البليغة: بأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله، كا كهرني ولا ضربني ولا شتمني.

كل ما فعله - عليه الصلاة والسلام: أنه نبّهه على خطئه دون أن يقول له: أخطأت وأسأت، ولم تعرف للصلاة قدرها، ونحو ذلك من العبارات القاسية، إنما بيّن له حقيقة الصلاة وما لا يليق من القول أن يدخل فيها: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيْهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ اَلتَسْبِيْحُ وَالتَّكْبِيْرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» .

وكذلك يجب أن يكون المعلمون الصادقون.

وفي قصة تخيير نسائه - صلى الله عليه وسلم - التي نزل بها القرآن في سورة الأحزاب 28 - 29: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} ، أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على نسائه يعرض عليهن ما أمره الله به من التخيير، وبدأ بعائشة - رضي الله عنها - فعرض عليها أن تختار أحد الأمرين: إما الله ورسوله والدار الآخرة، على ما في ذلك من الكفاف، وحياة التقشف والزهد، وخشونة العيش، وإما الدنيا وزينتها، فلها حق المتعة والسراح الجميل، وطلب إليها أن تتريث في

(1) رواه مسلم - حديث 537.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت