فإن هم أطاعوا لذلك ورضوا بالله ربا، وبمحمد رسولا، أعملهم بالفريضة اليومية والعبادة العملية الأولى، التي هي الرباط الدائم بين الإنسان وربّه، والفيصل الفارق بين المسلم والكافر وهي الصلاة عمود الإسلام.
فإن هم عرفوا ذلك واستجابوا له، أعلمهم بالفريضة العملية الثانية - وهي شقيقة الصلاة في القرآن والسنة، والرباط الاجتماعي والاقتصادي بين المسلمين بعضهم وبعض، وهي الزكاة، قنطرة الإسلام.
وهكذا ينبغي أن تكون الدعوة ويكون التعليم.
والتدرج ذو شقين: شق يتعلق بالكم، وشق يتعلق بالكيف.
فالأول يعني: أن يعطي المتعلم من العلم المقدار الملائم له، ولا يكثّر عليه الأستاذ، ويحمله ما لا يطيق، فينوء به، ويضيعه كله، فهو يريد أن يعطيه الكثير دفعة واحدة، فيضيع بذلك الكثير والقليل. والعلم متين كالدين، فيجب أن يوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
وفي هذا أوصى الزهري تلميذه يونس بن زيد، فقال: يا يونس، لا تكابر العلم، فإن العلم أودية، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه. ولكن خذه مع الأيام والليالي. ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة! ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي (1) .
والشيء الثاني في التدرج: هو ما يتعلق بالكيف والنوع، على معنى أن يبدأ الأستاذ مع طلابه بالجلي من العلم قبل الخفي، والبسيط قبل المركب، وبالخفيف قبل الثقيل، والجزئي قبل الكلي، وبالعملي قبل النظري.
ومن الحكم المأثورة: الرباني: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. والمراد بصغار العلم: ما وضح من مسائله، وبكباره: ما دقّ منها. وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده (2) .
(1) جامع بيان العلم جـ 1 ص 125.
(2) الفتح جـ 1 ص 171.