وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1 - 5] .
وثاني سورة نزلت من القرآن العظيم سميت سورة"القلم"، وفي مطلعها أقسم الله بهذه الأداة الصغيرة في حجمها، الكبيرة في أثرها"القلم"، فقال: {ن. وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُوْنَ} [القلم: 1] . وحينما أتيحت للرسول - صلى الله عليه وسلم - فرصة لتعليم بعض المسلمين الكتابة، لم يدعها تفوت دون أن يستفيد منها، وذلك في غزوة بدر، حيث كان بعض أسرى قريش ممن يعرفون الكتابة، فجعل فداء الواحد منهم من أسره، أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين الكتابة.
وذكر ابن سعد عن عامر الشعبي قال: أسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر سبعين أسيرا، وكان يفادي بهم على قدر أموالهم، وكان أهل مكة يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن له فداء، دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم، فإذا «حذقوا» فهو فداؤه (1) .
وذكر أن زيد بن ثابت - أحد كتاب الوحي - كان ممن علمه أسرى قريش. ومعنى هذا أن خطة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن قائمة على مجرد «فك الخط» كما يقولون، بل لا بد من درجة «الحذق» والإتقان، حتى لا ينسى ويرتد إلى الأمية من جديد.
ولم يمنع النبي - صلى الله عليه وسلم - اختلاف الدين أن يأخذ من المشركين خير ما عندهم، ولا سيما أن مجرد تعلم الكتابة لا يحمل - في العادة - فكرا ولا ثقافة، ولا يتلوّن بلون المعلم.
ولم يقف حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على تعلم الكتابة عند الرجال فقط، بل شمل النساء أيضا (2) ، وقد علمت الشفاء بنت عبد الله أم المؤمنين حفصة بنت عمر الكتابة (3) .
(1) طبقات ابن سعد، جـ1 ص 22 ط بيروت.
(2) أما الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك جـ2 ص 296 عن عائشة مرفوعا: «لَا تُنْزِلُوْهُنَّ الْغُرَفَ، وَلَا تُعَلِّمُوْهُنَّ الْكِتَابَةَ - يعني: اَلنِّسَاءَ - وَعَلِّمُوْهُنَّ الْمَغْزَلَ، وَسُوْرَةَ النُّوْرِ» ، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، فقد تعقبه الذهبي وقال: بل موضوع.
(3) رواه أحمد، وأبو داود، وسكت عنه هو والمنذري، ورجال إسناده رجال الصحيح إلا إبراهيم بن مهدي البغدادي المصيصي، وهو ثقة كما في «نيل الأوطار» جـ9 ص 103 ط دار الجيل - لبنان.