فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 376

شاهدت سواد الكفر في وجه فلان) أو كما قال تعالى: (كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلما) . في تجسيد هذه الظلمة بشكل ملموس أقرب إلى التصور الإنساني وأكثر إدراكاً للمعاني المعقولة بسبب اشتراك الحواس في لمس هذه الظاهرة وتقريبها إلى العقل البشري.

(وهكذا ترى هذه الصورة الرائعة التي رسمها الخالق عز وجل كانت أكثر عمقاً في تصوير ضياع أعمال الكافرين وبطلانها، فيها اختلطت الظلمات الحسية بالظلمات المعنوية اختلاطاً وحشرت فيها حشراً، فهي مجموعة من الظلمات والأهوال التي تتجلى في البحر العميق الذي لا يدرك قعره والموج المتلاطم الذي يغشي ذلك البحر والسحاب القاتم الذي غشي الجميع) . إنها أروع لوحة من لوحات (الظلام) في مشاهد الطبيعة يمكن أن ترسمها ريشة أو آلة مصورة. ومع أن المشهد لم يكن معروضاً هنا لذاته، وإنما لتصوير حالة الظلام النفسي الذي يورثه الكفر للنفوس، فأنه أمدنا بلوحة طبيعية رائعة يتملأها الحس والخيال، ويعمل فيها (الفن) بحرية وانطلاق!

ولم تكن هذه الآية لتمثل صورة واحدة يشترك الجميع في تخيلها فهي تختلف في عمقها بحسب اختلاف ثقافة الناس وعلومهم لنجد فيها صوراً جديدة مغايرة عن الصورة الأولى التي رآها القدامى مستنبطة من العلوم الحديثة المكتشفة تسندها ألفاظ القرآن الكريم التي تتحمل تلك المعاني والصور المذهلة.

فهذه الصور الحديثة منتزعة من بعض البلدان الشمالية التي يلفها الضباب، ولا يمكن للمرء أن يتصورها إلا في النواحي كثيفة الضباب في الدنيا الجديدة أو في إيسلندا .. وفي الآية فضلاً عن الوصف الخارجي الذي يعرض له المجاز المذكور سطر خاص بل سطران: أولهما: الإشارة الشفافة إلى تراكم الأمواج. والثاني: هو الإشارة إلى الظلمات المتكاثفة في أعماق البحار، وهاتان العبارتان تستلزمان معرفة علمية بالظواهر الخاصة بقاع البحر، وهي معرفة لم تتح للبشرية، إلا بعد معرفة جغرافية المحيطات، ودراسة البصريات الطبيعية ... وغني عن البيان أن نقول: إن العصر القرآني كان يجهل كلية تراكب الأمواج وظاهرة امتصاص الضوء واختفائه على عمق معين في الماء، وعلى ذلك فما كان لنا أن ننسب هذا المجاز إلى عبقرية صنعتها الصحراء، ولا إلى ذات إنسانية صاغتها بيئة قارية.

ولكي نثبت صحة ودقة هذا التصوير الحديث يجب علينا عرضه على الضوابط اللغوية والتفسيرية والمقارنة بين المعاني القديمة والحديثة وكيفية تصرف اللفظ وتحمله لتلك المعاني ودور القراءات في تجسيد تلك الصور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت