القسم من الظواهر الأسلوبية التي استخدمها القرآن الكريم فقد افتتح كثيراً من السور - وبخاصة القصار - بأقسام. فالقسم في مطالع السور استفتاح رائع ولو أن كلماته التي في مطالع السور صورت لبهر جلالها وجمالها، وحسب القارئ أو السامع أن يتخيلها .. وقد يتمثل القسم عدة صور كما هو في قوله تعالى (والطور وكتاب مسطور في رق منثور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع) .
فالله سبحانه وتعالى يقسم بهذه الخلائق العظيمة على أمر عظيم. بعد أن تهيأ للحس بهذه الإيقاعات لاستقبال ذلك الأمر العظيم.
ومن بدء السورة إلى ختامها تتوالى آياتها كما لو كانت قذائف، وإيقاعاتها كما لو كانت صواعق ... وتبدأ السورة أيضاً بقسم من الله سبحانه بمقدساته في الأرض والسماء. بعضها مكشوف معلوم! وبعضها مغيب مجهول .. فالقسم على أمر رهيب يرج القلوب رجا ويرعب الحس رعبا.
ومن الناحية النحوية قيل الواو في بداية السورة للقسم وما بعدها للعطف.
وقال ابن عاشور الواوات في هذه الآية كلها واوات قسم لأن شأن القسم أن يعاد ويكرر، ولذلك كثيراً ما يعيدون المقسم به نحو قول النابغة.
والله والله لنعم الفتى
وإنما يعطفون بالفاء إذا أرادوا صفات المقسم به. ويجوز صرف الواو الأولى للقسم واللاتي بعدها عاطفات على القسم، والمعطوف على القسم قسم.
ومن الناحية الدلالية لقوله تعالى: (المسجور) حمل بعض المفسرين هذا اللفظ بمعنى الممتليء وهذا ما هو مشاهد في الحياة الدنيا أما من حمل قوله تعالى (مسجور) بمعنى المتقد فأشار إلى أن هذا يكون في نهاية الدنيا حين تقوم الساعة وقد استدل على ذلك بقوله تعالى (وإذا البحار سجرت) . وكما هو معلوم أن (إذا) تفيد الاستقبال ووقوع الشيء لا محالة وهذه الآية أيضاً من الآيات التي يصف الله تعالى بها أهوال يوم القيامة.
أما أهل التفسير العلمي فلا يرون قوله تعالى: (والبحر المسجور) بمعنى المتقد مقتصراً على يوم القيامة فقط وإنما يشمل المعنى أيضاً الحياة الدنيا حينما رأى علماء البحار أن الحمم البركانية تندفع من