المعنيين العلميين بل جميع المعاني التي ذكرها المفسرون وأهل التفسير العلمي واختلاف التفسير بينهم هو اختلاف في التفاصيل وقد جاء التفسير كل حسب علمه بتلك الظاهرة الطبيعية ولا يوجد تناقض بين ما قاله المفسرون وأهل التفسير العلمي فقد أشار المفسرون إلى هذه المعاني (وأن ما روي في هذا الشأن عن الصحابة ليس هو من كلامهم قطعا، وإنما هو قول سيد البشر(الذي لا ينطق عن الهوى) وإن لم يسندوه إليه، لأنه من علم الغيب فيكون في حكم المرفوع لا في حكم الموقوف، لأن القرينة تصرفه عن ذلك). أما الفاء في قوله تعالى (فأنزلنا) منهم من قال أنها تفيد التعقيب لتتابع الحوادث فالتلقيح أولًا ثم نزول المطر ومنهم من قال أنها فاء السببية أي نجم عن هذا التلقيح نزول المطر وهذا ما أشار إليه العلم الحديث فكلا هذين التوجيهين في الفاء يتحمله النص القرآني والعلم الحديث.
أما النواحي البلاغية في تفسير هذه الآية فقد ذكر لنا المفسرون وأهل التفسير العلمي عدة تشبيهات، ويختلف التشبيه بحسب حمل معنى قوله تعالى (لواقح) فمن حملها على معنى حامل فهو كما يقال ناقة لاقح أي حامل (ووصف الرياح بذلك على التشبيه البليغ شبهت الريح التي بالسحاب الماطر بالناقة الحامل لأنها حاملة لذلك السحاب أو للماء الذي فيه) . ومن حمل قوله تعالى (لواقح) جمع لاقح كما يقال لقحت الناقة وألقحها الفحل إذا ألقى إليها الماء فحملت، وهو يناظر ما يحدث عند تلقيح الرياح للسماء بإمداده بالماء، وكأن الرياح جارية مجرى الفحل للسحاب لأنها تمده بالماء ونوى التكاثف اللازم لتكثف هذا الماء على شكل قطرات أو ثلج. وهذا التشبيه قد ذكره القرطبي بقوله: فالرياح كالفحل للسحاب. وهناك نوع آخر من التلقيح (وهو ما تحمله معنى الرياح من حبوب اللقاح من زهرة إلى أخرى فيكون التلقيح من نوع ثالث .. تلقيح بالمعنى الحرفي للآية) وبهذا يمكن حمل المعنى في هذه الآية على الحقيقة والمجاز في آن واحد وهذا ما سماه الزركشي بالتضمين كما ذكرنا سابقًا. (فنحن أمام كلمة صادقة مجازًا وحرفيًا وعلى أي صورة قلبتها تصدق معك وهي بعد هذا كلمة جديدة وغريبة وصفة مبتكرة توصف بها الرياح) وهذا من بلاغة القرآن الكريم وإعجازه اللغوي والعلمي في آن واحد.
وفي قوله تعالى (فأسقيناكموه) أي أسقيناكم أنتم ومواشيكم، وزروعكم وأشجاركم من هذا الماء، فكلمة (أسقيناكموه) أبلغ من سقيناكموه، لأن سقيناكموه تعني نسقيكم أنتم وحدكم دون مواشيكم وزوعكم،