""""""صفحة رقم 93""""""
ومن شرف هذا العلم أن الله تولى بيانه وقسمته بنفسه وأوضحه وضوح النهار بشمسه
فقال: ) يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين( [ النساء: 11 ] إلى آخر الآيتين ،
وقال سبحانه: ) يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ( [ النساء: 176 ] إلى آخر الآية ، فبين
فيها أهم سهام الفرائض ومستحقيها ، والباقي يعرف بالاستنباط لمن تأمل فيها ، والنبي عليه
الصلاة والسلام أمر بتعليمها وخص عليه فقال: ' تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف
العلم ، وأنها أول علم يدرس ' وفي رواية ' أول علم ينتزع من أمتي ' والأحاديث والآثار
في فضله كثيرة .
قال:( يبدأ من تركة الميت بتجهيزه ودفنه على قدرها ، ثم تقضى ديونه ، ثم تنفذ
وصاياه من ثلث ماله ، ثم يقسم الباقي بين ورثته )فهذه الحقوق الأربعة تتعلق بتركة الميت
على هذا الترتيب .
أما البداية بتجهيزه ودفنه فلأن اللباس وستر العورة من الحوائج اللازمة الضرورية
وأنها مقدمة على الديون والنفقات وجميع الواجبات في حالة الحياة ، فكذا بعد الممات
وبالإجماع إلا حقا تعلق بعين كالرهن والعبد الجاني ، فإن المرتهن وولي الجناية أولى به
من تجهيزه ، لأنهما أحق بذلك في حالة الحياة من الحوائج الأصلية كستر العورة والطعام
والشراب ، فكذا بعد وفاته ، ويكفن في مثل ما كان يلبسه من الثياب الحلال حال حياته
على قدر التركة من غير تقتير ولا تبذير اعتبارا لإحدى الحالتين بالأخرى ، ويقدم على
الوصية ، لأن الوصية تبرع واللازم أولى ، وعلى الورثة لأن المال إنما ينتقل إليهم عند
غنائه ، ألا ترى أن حال حاجته وهي مدة حياته لا ينتقل إليهم ؟ قال عليه الصلاة والسلام:
' ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ' ثم تقضى ديونه من جميع ما بقي من ماله لقوله تعالى:
)من بعد وصية يوصي بها أو دين ( [ النساء: 11 ] وأنه يقتضي تأخر القسمة عن الدين
والوصية ، ولا يقتضي تقدم أحدهما على الآخر ، فإن من قال: أعط زيدا بعد عمرو أو بكر
لا يقتضي تقدم أحدهما على الآخر لكن يقتضي تأخر زيد عنهما في الإعطاء فكانت الآية
مجملة ، وقد بلغنا أن النبي عليه الصلاة والسلام قدم الدين على الوصية فكان بيانا لحكم
الآية ، رواه عنه علي رضي الله عنه ، ولأن الدين مستحق عليه ، والوصية تستحق من جهته ،
والمستحق عليه أولى لأنه مطالب به ، لأن فراغ ذمته من أهم حوائجه ، قال عليه الصلاة