فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 16554 من 35630

وأحكام الزواج في الإسلام من النوع الأول، فقد ورد كل ما يتعلق به في نصوص قطعية في كتاب الله أو في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأن ظاهرة الزواج في الحياة الإنسانية لم تتغير منذ وجد الإنسان، ومن الطبيعي أن يكون تشريعها ثابتًا لا يتأثر بتطورات المجتمعات المختلفة. والمسلم ليس مخيرًا في قبولها أو رفضها، وهو إذا رفض أي حكم شرعي واستبدله بحكم آخر عن قناعة أو رضى فقد أخرج نفسه من ربقة الإسلام. قال - تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) .

والزواج المدني المطروح في لبنان ليس القصد منه إجراءات عقد الزواج فهذه بالنسبة للإسلام إجراءات مدنية، وليس شرطًا وجود أحد المشايخ عند عقد الزواج. ولكن المقصود من الزواج المدني هو شروط عقد الزواج وخاصة المحرمات التي لا يجوز العقد عليها، ورفض بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الخصوص. والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك إعطاء حق التشريع في هذا الموضوع لمجلس النواب وسحبه من خصوصيات الطوائف التي حفظها الدستور. ومجلس النواب يمكن أن يعدل قوانينه حسب قناعة الأكثرية فيه أو أهواءها فيحلل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله، وليس على المسلم إلا أن يطبق هذه القوانين.

إن الزواج المدني يطرح في لبنان من قبل العلمانيين منذ الخمسينات، والقصد منه تعميق الوحدة الوطنية وإزالة الحواجز الطائفية بين المواطنين وجعل الانتماء للوطن مقدمًا على الانتماء للطائفة، وقد تبنى كثير من زعماء النصارى هذه الدعوة من قبيل الالتفاف ضد إلغاء الطائفية السياسية.

إن لبنان يتكون من سبع عشرة طائفة وهي تنقسم إلى مجموعتين كبيرتين: الطوائف المسيحية والطوائف الإسلامية، وبينها اختلافات كثيرة في العقائد والعبادات والشرائع، ولذلك فقد تم التوافق بين الجميع في إطار الدستور اللبناني على احترام خصوصيات الطوائف وأنظمة أحوالها الشخصية، وأن التشريع اللبناني الموحد يبقى خارج إطار الأحوال الشخصية، أما في المجال السياسي فقد نص الدستور على أنه إلى أن يتم إلغاء الطائفية يجري توزيع الوظائف بين الطوائف بالعدل. مما يعني أن إلغاء الطائفية السياسية ليس مرتبطًا بقوانين الأحوال الشخصية.

إن القول بأن الزواج المدني يعمق الوحدة الوطنية ويجعل الانتماء للوطن مقدمًا على الانتماء للطائفة لا يمكن أن يكون صحيحًا في لبنان.

* فكل بلاد العالم التي شرّعت الزواج المدني تعتبر نسيجًا واحدًا تقريبًا، فإما أن تكون أكثرية مواطنيها مسيحيين ـ كما في أوروبا ـ أو أن يكونوا مسلمين كما في تركيا وتونس، وفي هذه الحالة يمكن إقامة نظام واحد للزواج المدني وهو بطبيعة الحال يراعي توجهات الأكثرية.

* أما لبنان فمواطنوه منقسمون بين مسيحيين ومسلمين، وبالتالي فإن أي نظام موحد للزواج المدني إذا تبنى أحكام المسيحيين فسيشعر المسلمون أنهم يخالفون دينهم باتباعه، وإذا تبنى أحكام المسلمين سيشعر المسيحيون أنهم أرغموا عليها.

* وبالنسبة للمسلمين فإن أحكام الزواج عندهم في أكثرها لا تقبل الاجتهاد وهي نصوص إلهية ملزمة. ولا يمكن لأي نظام موحد للزواج المدني أن يأخذ بهذه الأحكام وإلا كان مرفوضًا من غير المسلمين وهذا حقهم. وإذا قام مثل هذا النظام وتبنى أحكامًا مخالفة للأحكام الشرعية فإن المسلم سيقع في تنازع بين الولاء للوطن والولاء للدين. إن أكثر المسلمين في هذه الحالة سيفضلون الولاء للدين، فهل يكون هذا الأمر تعميقًا للوحدة الوطنية أو تهديمًا لها؟

إن الذين يطرحون الزواج المدني في لبنان يتصورون أن المسلمين سيتخلون عن أحكامهم الشرعية كما تخلى كثير من المسيحيين عن أحكام الكنيسة، ولا يلاحظون الفرق بين الحالتين:

* فأحكام الكنيسة حول الأحوال الشخصية أكثرها اجتهادات بشرية، والقليل منها في الإنجيل ولذلك فإن المسيحيين قد يقبلون بالزواج المدني؛ لأنه في مجمله اجتهادات بشرية يقوم بها المجلس النيابي بدل رجال الكنيسة وكلهم بشر.

* أما بالنسبة للمسلمين فإن أحكامهم حول الزواج أكثرها كما قلت نصوص إلهية ملزمة سواء في القرآن الكريم أو في السنة المطهرة، وبالتالي فليس سهلًا على المسلم أن يقبل استبدالها بأحكام بشرية، فضلًا عن أن من يفعل ذلك راضيًا مقتنعًا فقد أخرج نفسه من الإسلام. ولا يقال إن المسلمين قبلوا الزواج المدني في تركيا وتونس؛ لأن المسلمين هناك لم يستشاروا بل فرض عليهم ذلك فرضًا من قبل الأنظمة المستبدة. ورغم ذلك فإن نظام الزواج المدني هناك يتبنى أكثر الأحكام الشرعية؛ لأن مواطنيه مسلمون فيقلّ الحرج على الناس في التزامه، أما في لبنان فلا بد من اختلاف أكبر يجعل المسلم في تناقض بين الولاء للوطن والولاء للدين.

* وما هي المصلحة في إقحام المسلمين في هذا الموقف الحرج، وهل الوحدة الوطنية في لبنان لا تقوم إلا على حساب الإسلام، وإذا قامت على هذا الأساس فهل يمكن أن تدوم، بل هل يبقى لبنان وطنًا لجميع أبنائه مسلمين ونصارى إذا قُهر المسلمون بمثل هذا النظام؟ إن طرح الزواج المدني في لبنان يعتبر في نظرنا مشروع حرب أهلية جديدة، ومؤامرة لتهديم لبنان وتمزيق الوحدة الوطنية فيه.

* نحن مسلمون دينًا ولبنانيون وطنًا ولا نشعر بأي تناقض في هذا طالما أن لبنان الوطن يحترم نظام الأحوال الشخصية لكل طوائفه، ويتيح الحريات لجميع أبنائه، وسنظل نطالب بإلغاء الطائفية السياسية من أجل تحقيق العدالة والمساواة بين الجميع لا من أجل تغليب طائفة على أخرى.

* إننا نعتقد أن صون لبنان وحماية الوحدة الوطنية فيه لا يتحقق إلا بأمرين:

1.احترام الطوائف وأحوالها الشخصية.

2.ثم المساواة التامة بين جميع اللبنانيين في الحقوق والواجبات.

أما طرح المشروع ليكون اختياريًا فهو هرطقة قانونية..

* أولًا: لأنه لا معنى للقانون إلا أن يكون ملزمًا للجميع.

* وهل يمكن أن يختار المواطن المسلم بعض الأحكام من القانون المدني باعتباره لبنانيًا ويختار أحكامًا أخرى من الشريعة باعتباره مسلمًا؟

* وإذا كان من غير الممكن عمليًا الاختيار في مفردات الأحكام (كأن يختار مثلًا أحكام الطلاق من القانون المدني وأحكام العدة من القوانين الشرعية) فإن الاختيار يقع إذن على القانون بجملته أي أن المسلم إذا اختار القانون المدني وجب عليه الالتزام بكل فقراته. وإذا اختار القوانين الشرعية وجب عليه الالتزام بها كلها.

* وهل يمكنه أن يغيّر اختيار قانونه كما يغيّر دينه أو طائفته عندما يريد؟ إن كان هذا ممكنًا فإنه يفتح باب التلاعب بالقوانين على مصراعيه، ولا يعقل أن يكون مطلوبًا. وإن كان غير ممكن أصبح القانون الاختياري أكثر إلزامًا من الانتماء الطائفي وهو أيضًا غير معقول.

* لذلك يبقى اقتراح أن يشكل المواطنون الراغبون في الزواج المدني طائفة جديدة ويخرجون من طوائفهم السابقة إن أرادوا، ويوضع لهم قانون إلزامي للزواج المدني والأحوال الشخصية، يبقى هذا الاقتراح أكثر جدية من قانون اختياري يميّع مسألة الالتزام بالطوائف أو بالقوانين.

* أو يمكن قبول اقتراح قانون موحّد للأحوال الشخصية لا يخضع له المسلمون كما هو الحال في عدة قوانين لبنانية وكما اقترحت الكتلة الوطنية.

ـــــــــــــ

د. الخضيري: زواج المسيار تحكمه أخلاقيات الناس في التعامل

محمد الغنيم

حذر الشيخ الدكتور إبراهيم الخضيري القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض من السلبيات الكثيرة الناجمة عما يسمى"بزواج المسيار"مؤكدًا أن مشاكل هذا النوع من الزواج لن تظهر على السطح حاليًا ولكنها تحتاج لفترة طويلة حتى تظهر بوضوح في المجتمع.

وقال د. الخضيري في تصريح لـ"الرياض"إن زواج المسيار زواج شرعي والأصل أنه مباح وسبق أن بُحث من عدة أوجه شرعية، كما أنه معروف في منطقة نجد قبل أكثر من (50) سنة ويسمى في القصيم بزواج"الضحوية"وتكمن ضرورته في زمننا هذا لكثرة الرجال الذين سيطرت عليهم نسائهم إضافة لوجود نساء لهن ظروف خاصة أو"ترجّلن"وأصبحن لا يردن الرجل إلا لقضاء رغباتهن بالحلال وهذا معروف منذ القدم، ولكن تبقى قضية أخلاقيات الناس في التعامل مع هذا الزواج ضرورية في هذا الجانب الهام.

وأكد: د. الخضيري على ضرورة أن يكون هذا الزواج موثقًا بالبينة الشرعية وأن يكون الزوج كريمًا وملتزمًا بالقيود الشرعية وكذلك المرأة، داعيًا الجميع إلى التأسي بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوجاته المؤمنات الكريمات ليعرف الجميع قيمة الحياة والزواج ويستشعروا عظم المسؤولية في ذلك، حيث ظهرت في هذا حكمة (التعدد) التي شرعها الله - عز وجل - وقيمه الإسلام في تعاليمه النبيلة رغم ما يظهره الإعلام السلبي في بعض المجتمعات عن التعدد واصفًا إياه بالجريمة وبرغم ما يحصل من البعض من نظرة قاصرة وضيّقة عن الزوجة الثانية التي يرى 90% أنها عدو للأسرة و10% فقط يرونها بنظرة صحيحة وأن لها حقوقها ومكانتها وقيمتها في الأسرة والمجتمع.

وعدّد د. الخضيري في تصريحه بعض سلبيات زواج المسيار فذكر من بينها فقد الرجل لكرامته على المرأة، واعتبارها إياه كعابر السبيل الذي يأتي لقضاء حاجته ثم يخرج، وكذلك من سلبيات هذا النوع من الزواج تضرر الأبناء بإهمال أبيهم أو من إنكاره لهم.

ولفت الخضيري في نهاية تصريحه إلى عدم وجود قضايا ومشاكل في المحكمة الكبرى بالرياض حول هذا الزواج؛ لأن الزوجة متى ما نفرت من زوجها تغلق الأبواب في وجهه بكل بساطة فيرسل لها ورقة طلاقها.

ـــــــــــــ

الزواج المدني

الشيخ فيصل مولوي

السؤال:

أنا فتاة لبنانية أبلغ من العمر 23 سنة مقيمة في دولة الإمارات مع عائلتي أرغب في الزواج من زميل لي في العمل دون علم أهلي وذلك لأنه متزوج ولديه ولد ولكنه يرغب في الزواج مني لوجود بعض المشكلات مع زوجته الأولى. أنا لا أمانع ولكن أتوقع ممانعة والدي لأنه متزوج. سؤالي هو: هل يمكن لي أن أتزوج به من دون استشارة والدي علمًا بأن زميلي سيطلبني من والدي رسميًا لاحقًا بعد أن يرتب موضوع زواجه مني ويستعد له؟ نحن نرغب في الزواج الآن لعدم رغبتنا في الوقوع بالحرام.أنا أعلم أن مذهب الإمام أبي حنيفة لا يمنع زواج البنت دون إذن وليها. وفي حال كان حلالًا أن أتزوج به فإن قانون الدولة يمنع ذلك. كيف لي أن أجد مأذونًا شرعيًا يعقد لنا؟ وهل يمكن أن أعقد من خلال الانترنت حيث سمعت بهذا في السنوات الماضية؟ وفي حال أنه جائز العقد من خلال الانترنت، هل يمكن أن تدلني على مأذون شرعي على الانترنت يزوجني منه؟ جزاك الله ألف خير.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

قد يفهم كثير من الناس نصوص الفقهاء على إطلاقها، وهي في الحقيقة تكون مقيدة بقيود من جهات أخرى تحفظ حقوق الناس ولا تضيع مصالحهم. والولاية عند الأحناف، كما ورد عن الإمام أبي حنيفة وصاحبه زفر أن ولاية الاختيار هي حق الولي في تزويج المولى عليه بناء على اختياره ورضاه، وهي مستحبة في تزويج المرأة الحرة البالغة العاقلة، سواء كانت بكرًا أم ثيبًا، مراعاة لمحاسن العادات والآداب التي يراعيها الإسلام. وفي هذه الحالة إذا زوجت المرأة نفسها بغير كفء فلوليها حق الاعتراض على الزواج ويفسخه القاضي، فهذا شرط لصحة زواجها وهو الكفاءة. بينما يرى جمهور العلماء أن النكاح لا يصح إلا بولي، ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها.

على أي حال أختي الكريمة في مثل حالتك عليك أن تتريثي وتحاولي أن تتدبري الأمر باتباع خطوات تمهيدية تهيئ الجو لقبول هذا الزواج أو تقّرب إلى الحل شيئًا فشيئًا، ثم إن المسلم في هذه الحالة ملزم شرعًا باتباع القوانين المرعية في البلد الذي يعيش فيه، وحكم القضاة في الإمارات يستند إلى مذهب الإمام مالك كما أظن وليس إلى مذهب الإمام أبي حنيفة، وحفظًا لحقك ومراعاة مصلحتك أقترح أن لا تكون المبادرة منك، ولا تسعي أنت في الموضوع حتى لا يهضم حقك وقد تندمين على ما فعلت، وإنما دعي الرجل هو يبحث عن حل مناسب للقضية ويجد لها مخرجًا لا تفريط فيه بحق أحد منكما.

ثم موضوع الزواج عبر الإنترنت إن كان العاقدان حاضرين معًا في مجلس العقد وكانا قادرين على النطق: فلا يصح باتفاق العلماء الزواج بينهما بالكتابة أو الإشارة، ولو كانت الكتابة بينة واضحة؛ لأنه لا يتيسر على الشهود سماع كلام العاقدين في حال الكتابة، وحتى مع وجود الصوت والصورة عبر الانترنيت، فإن ذلك أيضًا لا يسوغ العقد والعاقدان حاضران معًا، ثم إن الزواج عبر الإنترنت ليس إبرام عقود، وإنما هو وسيلة تعارف تقرّب الراغبين بالزواج من بعضهم عبر التعارف، ومعرفة صفات كل واحد منهما للآخر، ثم بعد ذلك يتم العقد بعد اللقاء وحضور الشاهدين والمأذون المكلف بتوثيق العقد وتدوين الشروط إن وجدت وكتابة المهر وغير ذلك.

أما عن وجود مأذون شرعي يزوجك منه، فالمأذون هو الذي يأذن له ولي الأمر بإجراء عقود الزواج، وبالنسبة إليك فالمأذون يجب أن يؤذن له من الإمارات - حيث تقيمين - والقانون الشرعي في الإمارات لا يسمح بذلك. أو يكون من لبنان - باعتبارك لبنانية - وإذا تم الاتفاق بينكما على عقد الزواج في لبنان، لكن في هذه الحالة لن تجدي مأذونًا شرعيًا، رغم أن القانون الشرعي المعمول به في لبنان يعتمد مذهب الأحناف، إلا أنه يوجب عليك أن تطلبي من القاضي الزواج، وهو يبلغ والدك بالأمر، فإذا لم يعترض، أو كان اعتراضه غير مقبول، فإن القاضي يأذن لك بالزواج. وبغير ذلك لن تجدي مأذونًا. وبناء على ذلك لا يوجد مأذون شرعي رسمي يجري لكم هذا الزواج لا من الإمارات ولا من لبنان. والمخرج لمشكلتك في رأيي ومن باب النصيحة أن تهيئا للأمر خطوة خطوة حتى يتم لكما المراد. وفقًا لحكم الشرع وحفظًا لحق كل منكما ومراعاة لأحكام البلد الذي تعيشان فيه، وأن تستشيري والدك في الموضوع وتحاولي إقناعه، أو تقتنعين برأيه، فالوالد عادة أحرص على راحة ابنته ومستقبلها منها.

ـــــــــــــ

الزواج بنية الطلاق وزواج المسيار

إحسان بن محمد بن عايش العتيبي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

1.الزواج بنية الطلاق:

وهو مما انتشر في هذا الزمان بين الشباب المسلم وخاصة من ابتلي بالهجرة إلى بلاد الكفر، وصورته: أن يضمر في نيته طلاق من يرغب زواجها بعد انتهاء دراسته أو عمله، وهو الأمر الذي سبّب مشاكل كثيرة وردة فعل عكسية وخاصة عند النصارى ولا سيما من أسلم منهم حديثًا، لذا كان من المناسب عرض هذا الموضوع:

أ- سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل"رَكَّاضْ"يسير في البلاد، في كل مدينة شهرًا أو شهرين ويعزل عنها، ويخاف أن يقع في المعصية، فهل له أن يتزوج في مدة إقامته في تلك البلدة، وإذا سافر طلقها وأعطاها حقها أولًا؟ وهل يصح النكاح أم لا؟

فأجاب:

له أن يتزوج، لكن ينكح نكاحًا مطلقًا لا يشترط فيه توقيتًا بحيث يكون إن شاء أمسكها، وإن شاء طلقها، وإن نوى طلاقها حتمًا عند انقضاء سفره كره في مثل ذلك (1) وفي صحة النكاح نزاع. ولو نوى أنه إذا سافر وأعجبته أمسكها وإلا طلقها: جاز ذلك..

وأما أن يشترط التوقيت فهذا"نكاح المتعة"الذي اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على تحريمه.

وأما إذا نوى الزوج الأجل ولم يظهره للمرأة فهذا فيه نزاع، يرخص فيه أبو حنيفة والشافعي، ويكرهه مالك وأحمد وغيرهما. كما أنه لو نوى التحليل: كان ذلك مما اتفق الصحابة على النهي عنه وجعلوه من نكاح المحلل.

لكن نكاح المحلل شر من نكاح المتعة، فإن نكاح المحلل لم يبح قط، إذ ليس مقصود المحلل أن ينكح، وإنما مقصودة أن يعيدها إلى المطلق قبله فهو يثبت العقد ليزيله. وهذا لا يكون مشروعًا بحال، بخلاف المستمتع فإن له غرضًا في الاستمتاع، لكن التأجيل يخل بمقصود النكاح من المودة والرحمة والسكن، ويجعل الزوجة بمنزلة المستأجرة، فلهذا كانت النية في نكاح المتعة أخف من النية في نكاح المحلل، وهو يتردد بين كراهة التحريم وكراهة التنزيه.أ.هـ." [مجموع الفتاوى" (32/107-108) ] .

ب- قال النووي رحمه الله:

قال القاضي: وأجمعوا على أن من نكح نكاحًا مطلقًا ونيته أن لا يمكث معها إلا مدة نواها فنكاحه صحيح حلال، وليس نكاح متعة. وإنما نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور. ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق الناس. وشذ الأوزاعي فقال: هو نكاح متعة ولا خير فيه.أ.هـ." [شرح مسلم" (9/182) ] .

ج- وقال الإمام ابن قدامة - رحمه الله:

وإن تزوجها بغير شرط، إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم، إلا الأوزاعي قال: هو نكاح متعة. والصحيح: أنه لا بأس به، ولا تضر نيته، وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته، وحسبه إن وافقته وإلا طلقها.أ.هـ." [المغني" (7/573) ] .

قلت:

ويظهر أن المراد من قول ابن قدامة - رحمه الله:"أنه لا بأس به، ولا تضر نيَّتُه"إنما هو في صحة العقد، فإن أراد أنه لا شيء عليه من الإثم: فلا يظهر أنه صواب، ومثله قول من قال إنه"نكاح متعة"، لكن الأظهر أنه غير جائز لما فيه من خداع ولي أمر المرأة، وإفساد علاقة الناس بعضهم ببعض، وهو ما سيأتي - إن شاء الله - في كلام الشيخ ابن عثيمين - حفظه الله - والشيخ رشيد رضا - رحمه الله -.

د- وقال الشيخ محمد الصالح بن عثيمين - رحمه الله:

لو نوى زوج"المتعة"بدون شرط يعني: نوى الزوج بقلبه أن يتزوج هذه المرأة لمدة شهر، ما دام في هذا البلد فقط، فهل نقول إن هذا حكمه حكم المتعة أم لا؟ في هذا خلاف، فمنهم من قال"إنه في حكم نكاح المتعة"لأنه نوى وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (2) . وهذا الرجل قد دخل على نكاح مؤقت"المتعة"، فكما أنه إذا نوى التحليل وإن لم يشترطه: صار حكمه حكم المشترط، فكذلك إذا نوى المتعة وإن لم يشترطها، فحكمه كمن نكح نكاح متعة، وهذا القول - كما ترى - قول قوي.

وقال الآخرون: إنه ليس بنكاح متعة، لأنه لا ينطبق عليه تعريف"نكاح المتعة"فنكاح المتعة أن ينكحها نكاحًا مؤقتًا إلى أجل، ومقتضى هذا النكاح المؤجل: أنه إذا انتهى الأجل انفسخ النكاح ولا خيار للزوج فيه ولا للزوجة، وهو أيضًا: ليس فيه رجعة؛ لأنه ليس طلاقًا، بل هو انفساخ النكاح، وإبانة للمرأة، فهذا هو نكاح المتعة، لكن من نوى هل يلزم نفسه بذلك إذا انتهى الأجل؟ الجواب: لا، لأنه قد ينوي الإنسان أنه لا يريد أن يتزوجها إلا ما دام في هذا البلد، ثم إذا تزوجها ودخل عليها رغب فيها ولم يطلقها، فحينئذ لا ينفسخ النكاح بمقتضى العقد، ولا بمقتضى الشرط لأنه لم يشرِط ولم يُشترَط عليه. فيكون النكاح صحيحًا وليس من"نكاح المتعة".

وشيخ الإسلام - رحمه الله - اختلف كلامه في هذه المسألة، فمرة قال بجوازه، ومرة قال بمنعه. والذي يظهر لي أنه ليس من نكاح المتعة، لكنه محرم من جهة أخرى، وهي خيانة الزوجة ووليها. لأن الزوجة ووليها لو علما بذلك: ما رضوا وما زوجوه. ولو شرطه عليهم صار نكاح متعة.

فنقول: إنه محرم لا من أجل أن العقد اعتراه خلل يعود إليه، ولكن من أجل أنه من باب الخيانة والخداع. فإذا قال قائل: إذا هم زوجوه، فهل يلزمونه أن تبقى الزوجة في ذمته؟ إذ من الممكن أن يزوجوه اليوم ويطلق غدًا؟

قلنا: نعم. هذا صحيح. فالأمر بيده إن شاء طلق وإن شاء أبقى، لكن هناك فرق بين إنسان تزوج نكاح رغبة، ثم لما دخل على زوجته ما رغب فيها، وبين إنسان نوى من الأصل نكاح متعة بنيته، فهو ما قصد إلا أن يتمتع هذه الأيام ثم يطلقها، فبينهما فرق.

ولو قال قائل: إن قولكم إنه خيانة للمرأة ووليها غير سديد، وذلك لأن الرجل في اختياره أن يطلق متى شاء، فهم داخلون على مغامرة ومخاطرة، فهم لا يدرون متى يطلق؟

قلنا: هذا صحيح. لكن هم يعتقدون وهو أيضًا يعتقد - إذا كان نكاح رغبة - أن هذا النكاح أبدي، وإذا طرأ طارئ لم يكن يخطر على البال: فهذا أمر وارد لكنه على خلاف الأصل. ولهذا فإن الرجل المعروف بكثرة الطلاق: لا ينساق الناس إلى تزويجه.

فإذا تزوج الرجل على هذه النية فعلى قول من يقول إنه من"نكاح المتعة"- وهو المذهب- فالنكاح باطل. وعلى القول الثاني - وهو الذي نختاره - أن النكاح صحيح، لكنه آثم بذلك من أجل الغش، وهو مثل ما لو باع الإنسان سلعة - بالشروط المعتبرة شرعًا - لكنه غاش فيها: فالبيع صحيح، والغش محرم. أ.هـ. من"شريط رقم 9 - كتاب النكاح". شرح"زاد المستقنع".

هـ- وقال الشيخ محمد رشيد رضا - رحمه الله:

هذا وإن تشديد علماء السلف والخلف في منع"المتعة"يقتضي منع النكاح بنية الطلاق، وإن كان الفقهاء يقولون إن عقد النكاح يكون صحيحًا إذا نوى الزوج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد. ولكن كتمانه إياه يعد خداعًا وغشًا. وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت الذي يكون بالتراضي بين الزوج والمرأة ووليها. ولا يكون فيه من المفسدة إلا العبث بهذه الرابطة العظيمة التي هي أعظم الروابط البشرية، وإيثار التنقل في مراتع الشهوات بين الذواقين والذواقات، وما يترتب على ذلك من المنكرات. وما لا يشترط فيه ذلك يكون على اشتماله على ذلك غشًا وخداعًا تترتب عليه مفاسدَ أخرى من العداوة والبغضاء وذهاب الثقة حتى بالصادقين الذين يريدون بالزواج حقيقته وهو إحصان كل من الزوجين للآخر وإخلاصه له، وتعاونهما على تأسيس بيت صالح من بيوت الأمة. أ. هـ نقلًا عن"فقه السنة"للسيد سابق (2/39) .

2.زواج المسيار:

انتشر في الآونة الأخيرة ما يسمى"زواج المِسيار"وصورته، أن يتزوج رجل امرأة مطلقة أو أرملة - في الغالب - على أن يأتيها مرة أو أكثر في الشهر، وغالبًا ما تكون في منطقة بعيدة عن سكنه الأصلي، ويكون ذلك برغبة منها فتتنازل عن حقها في العدل بينها وبين زوجته الأولى.

وصورة هذا العقد شرعية (3) لا غبار عليها لذا أفتى العلماء بجوازها، فلما تجاوز الناس بها الحد، واستُغل هذا الأمر من قبل ضعاف النفوس، وتبنته مكاتب حدّدت أسعارًا!! لهذا الزواج"عمولة"، توقف بعض العلماء عن القول بالجواز ومنهم الشيخ محمد الصالح بن عثيمين - رحمه الله -.

ثم التقيت بشيخنا الألباني - رحمه الله - في 17 محرم /1418هـ في بيته وطرحتُ عليه بعض المسائل من هذا الكتاب، ومنها هذه المسألة، فأفتى بحرمة هذا الزواج (4) لسببين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت