فهرس الكتاب
الأول: أن المقصود من النكاح هو"السكن"كما قال - تعالى-: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم/21] . وهذا الزواج لا يتحقق فيه هذا الأمر.
والثاني: أنه قد يقدَّر للزوج أولاد من هذه المرأة، وبسبب البعد عنها وقلة مجيئه إليها سينعكس ذلك سلبًا على أولاده في تربيتهم وخلقهم.أ.هـ.
قلت: لذا ينبغي أن تكون الفتوى خاصة لبعض من يريد العفة والستر ممن عرف عنه دين وخلق، أما أن تكون عامة، فإنها قد تكون مفتاح شر لباب يصعب سدُّه.
والله أعلم
ـــــــــــــ
(1) وفي"مجموع الفتاوى" (32/147) القول بالجواز، وسيأتي الإشارة إلى اختلاف كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة عند نقل كلام الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -.
(2) رواه البخاري (1/11) . مسلم (13/53) .
(3) أي: من حيث توفر الأركان وتحقق الشروط.
(4) وهذه الحرمة لأمرٍ خارجٍ عن (العقد) ومثله تمامًا"الغش في البيع"أو"الصلاة بأرضٍ مغصوبة"فإنه لا يقال ببطلان البيع ولا الصلاة، لكن بحرمتهما.
ـــــــــــــ
زواج المسيار.. مفهومه وحكمه
الشيخ عبد الباري الزمزمي
عضو رابطة علماء المغرب
السؤال:
سمعت لأول مرة خلال هذه السنة من بعض وسائل الإعلام الوطنية والخارجية مصطلح (زواج المسيار) وقد درسنا الأحوال الشخصية بكلية الشريعة ولم نعرف هذا المصطلح، وزيادة على ذلك لم يتعرض له الفقهاء القدامى والمعاصرون في مؤلفاتهم، فما هو زواج المسيار؟ وهل كان في عهد الرسول والصحابة والتابعين؟ وهل زواج المسيار هو زواج المتعة؟ وما مصير أبناء هذا النوع من الزواج؟
الجواب:
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
زواج المسيار هو زواج اكتملت جميع شروطه، غير أن الزوجة فيه تتنازل عن بعض حقوقها كالنفقة والسكن، وهو زواج صحيح مشروع، ما دامت الزوجة قد تنازلت عن حقوقها بمحض إرادتها دون إكراه.
فزواج (المسيار) مصطلح حديث وأسلوب جديد في العلاقة بين الزوجين لم يكن معروفًا على هذه الشاكلة من قبل، وإن كان له أصل في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويراد به أن يتزوج رجل امرأة دون أن يكون لها حق عليه، فلا تطالبه بالنفقة ولا بالإقامة عندها ولا بالسكنى وإنما يأتيها متى شاء ويعطيها إذا شاء لا تلزمه بشيء من ذلك، وهذا التنازل يتم باختيار المرأة ورضاها وطيب نفس منها لرغبتها في الزواج وحاجتها إلى رجل يقوم برعايتها ويكون مسئولًا عنها، وهو زواج صحيح؛ لأنه يتم بعقد شرعي مستوف لشروط صحته ويتميز بتنازل المرأة عن حقوقها بطيب نفس منها لزوجها، وهو أمر مشروع في الإسلام إذ يجوز لكل من الزوجين أن يتنازل عن بعض حقه وعن حقه كله لصاحبه وليس في الإسلام ما يمنع أحدهما من ذلك، بل في القرآن والسنة ما يجعل ذلك مشروعًا لهما، كقوله - عز وجل:"وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا".
فجعل سبحانه للمرأة حق التنازل عن بعض الصداق لزوجها، وقال - عز وجل:"وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ"، قالت عائشة في هذه الآية: الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر فيها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حل فنزلت هذه الآية (رواه البخاري) ، وقد تنازلت سودة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن يومها لعائشة وذلك لما كبرت فقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ذلك (رواه الشيخان) ، وقال السيوطي في الإكليل: الآية أصل في هبة الزوجة حقها من القسمة وغيرها، يعني لزوجها.
وزواج المسيار ليس هو زواج المتعة الذي كان معروفًا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان مباحًا في أول الإسلام ثم حرمه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مذكور في كتب السنة والفقه، وحقيقته أنه زواج إلى أجل معلوم متفق عليه بين الزوجين، وتفاصيله مبسوطة في محلها، أما زواج المسيار فليس كذلك، فإنه يقوم ـ فقط ـ على تنازل المرأة عن حقها كما مضى ذكره.أ.هـ
والله أعلم.
ـــــــــــــ
زواج المسيار ومقاصد الزواج
أ.د. وهبة الزحيلى
أستاذ الشريعة بالجامعات السورية
السؤال:
نسمع عن زواج المسيار، فهل يجوز مثل هذا الزواج، مع أنه لا يحقق كثيرًا من مقاصد الزواج؟
الجواب:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
زواج المسيار تتنازل فيه المرأة عن بعض حقوقها، وهذا الزواج وإن لم يحقق كثيرًا من مقصود الزواج، لكنه مباح مع الكراهة، ولا يلجئ إليه إلا في بعض الحالات الخاصة.
فشرع الله الزواج لأهداف متعددة، منها تكاثر النسل والحفاظ على النوع الإنساني وإنجاب الذرية، ومنها تحقيق العفاف وصون الإنسان عن التورط في الفواحش والمحرّمات، ومنها التعاون بين الرجل ولامرأة على شؤون العيش وظروف الحياة والمؤانسة، ومنها إيجاد الود والسكينة والطمأنينة بين الزوجين، ومنها تربية الأولاد تربية قويمة في مظلة من الحنان والعطف.
وزواج المسيار يحقق بعض هذه الأهداف لا كلها، فالزوجة تتنازل عن حقها في النفقة وفي المبيت إن كان للزوج امرأة أخرى، والغرض الظاهر منه هو الاستمتاع إما بسبب واضح من الرجل لزيادة رغبته في المتعة، وإما من المرأة التي فاتها قطار الزواج لأسباب عديدة.
وحكم هذا الزواج في تقديري أنه صحيح لاستكمال أركانه وشرائطه المطلوبة شرعًا من رضا الولي والشهادة والإعلان. فإن فقد أحد هذه الشروط لم يصح عند جماعة من الفقهاء.
ولكن ضمانًا لمصلحة الزوجة وحقوقها على المدى البعيد ينبغي أن تحرص المرأة على تسجيله في سجلات الدولة الرسمية. إذ أنه قد يموت الزوج فيطلب منها العدّة، وتستحق الميراث. وقد تغيِّر رأيها فتطالب بحقها في النفقة أو القَسْم الواجب. ومادام كون هذا الزواج لا يحقق جميع مقاصد الزواج الشرعية والإنسانية والاجتماعية على النحو الصحيح أو الأفضل، فإني أحذِّر منه ولا أرغِّب فيه، وأكرهه، فإن التزام أهداف الزواج الذي هو ميثاق غليظ، أي شديد الحرمة ومؤكد التعظيم والمبرة، لا تظهر فيه بنحو واضح. فإن أصرّ الزوجان عليه جاز وتحملا آثاره، وربما وقع أحد الزوجين بظلم في رعاية الحقوق والقيام بالواجبات وأخصها العشرة الزوجية التي قد تحتجب أو تغيب فترة بعيدة، فيصبح ذلك حرامًا وإن كان العقد صحيحًا.
والله أعلم
ـــــــــــــ
زواج"فريند"رؤى متعددة
السؤال:
نشرت الصحف والمجلات دعوة الشيخ الزنداني إلى زواج"فريند"بدلًا من"بوي فريند"، و"جيرل فريند"وهو شكل جديد لم يعرف في الفقه الإسلامي، فما حكم فقهاء الشريعة في هذا النوع من الزواج؟ من حيث كونه حلًا لعلاقات الانحراف؟
الجواب:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فزواج الأصدقاء، أو ما يعرف بـ"زواج فريند"؛ وهي الدعوة التي أطلقها الشيخ عبد المجيد الزنداني من كبار علماء اليمن، اختلف الفقهاء المعاصرون فيها، بين مبيح لها ومحرِّم، حيث نظر المبيحون إلى توافر أركان الزواج من الإيجاب والقبول والمهر والولي والإشهاد، بينما ارتكز المحرمون على أن هيئة الزواج تتناقض مع مقصود الشارع من تشريع الزواج في الإسلام، من السكن والمودة، وقيام الأسرة على أسس من الاستقرار الاجتماعي، وهذا ما يغيب عن هذه الصورة من صور الزواج. وهذا النوع من الزواج يحتاج إلى رؤية متأنية..
وإليك بيان آراء العلماء:
آراء المبيحين:
يقول الشيخ عبد المحسن العبيكان من علماء السعودية:
إذا كان الزواج مستكملًا لشروط النكاح المعتبرة شرعًا: (الولي والشاهدان، والإيجاب والقبول) فإن النكاح صحيح بغض النظر عن كونه يتم تحت سقف منزل واحد يجمع الأسرة أو لا يتم.
وإن المرأة من حقها أن تتنازل عن حقها في المبيت والنفقة، وكذلك عن المأوى ما دامت تستطيع أن تلبث إلى جانب أبيها وأسرتها، ولكن يشترط لجواز ذلك ألا يكون مؤقتًا ولا بنية الطلاق. انتهى.
ويقول الدكتور سليمان عبد الله الماجد القاضي في محكمة الإحساء بالسعودية:
إن الفكرة التي دعا إليها الزنداني ستكون بمثابة (فتح) في علاج مشكلة كبيرة وهي: تجاوز تكاليف الزواج قدرة الشباب والفتيات، مع أنه يحقق مقصد من مقاصد النكاح وهو (العفة) .
و (صورة الزواج) جائزة شرعًا، ولا تحمل أي محظور شرعي بالصفة التي دعا إليها العالم اليمني (الزنداني) .
ولكن يجب دراسة الفكرة من جوانب (اجتماعية) فربما يكون الزواج جائزًا من الناحية الشرعية، ويكون مضرًا على الصعيد الاجتماعي.
والفكرة ليست جديدة حيث دعا إليها من قبل شيخ في جامعة الأزهر، فطالب المجتمع ـ في حينه ـ بتيسير أمور الزواج، والإذن بزواج الفتى للفتاة، يلتقيان في الجامعة، وفي الأماكن العامة، ويستأجرون شقة حين يرغبان ذلك، ويكون مقرهما للإقامة الدائمة بيت والديهما.
ويمكن أن تطبق في كل مكان، فالفكرة جيدة على اعتبارها مسعى جديدًا للحد كثيرًا من المخالفات الشرعية في جانب العلاقات بين الجنسين. انتهى.
ويقول الشيخ علي أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى في الأزهر الشريف السابق:
إن الفكرة التي دعا إليها الزنداني هي الحل الأمثل لاختفاء الرقم الأخير من الملايين التسعة الذين بلغوا سن الثلاثين، ولم يتزوجوا بعد في مصر وحدها ، فضلًا عن قوائم شبيهة من الشباب والفتيات الذين فاتهم القطار في جميع الدول العربية والإسلامية بسبب البطالة وارتفاع تكاليف الزواج وفشل الشباب في توفير بيت الزوجية .
وما دام هناك عقد زواج صحيح وبشهود وولي ، وتم الإعلان عنه ، فما المانع في أن يأوي كل منهما إلى بيت أبيه، ويكون اللقاء في أي مكان ، أليس في ذلك حل لمشكلة الصداقات وانحراف الشباب والفتيات ، واختلاط الأنساب ، والزواج العرفي ، وغيره مما نسمع عنه هذه الأيام؟ وإذا تنازلت الزوجة عن حق السكن فهل يعني ذلك أن الزواج باطل؟ هذا غير صحيح والفتوى صحيحة وهي كزواج المسيار ، وإذا ما تنازلت الزوجة عن حقوقها في السكن والملبس والمأكل والمشرب، وأقامت مع أهلها . ثم كان اللقاء بينهما بعد عقد صحيح مكتمل الشروط فلا حرمة في ذلك.
والسكن لا يعني الإقامة ، لكنه بمعنى السكون والراحة والمودة ، بمعنى أن الزوج يسكن إلى زوجته، ولا يفكر في غيرها ، ولا يمكن الاعتداد بعدم توافر منزل الزوجية شرطًا من شروط صحة الزواج ، فالآية الكريمة وهي قوله - تعالى:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الروم: 21) تخضع للاجتهاد ، وهذا ليس نصًا صريحًا ينقض أو يبطل فتوى الزنداني ، والأمر هنا مثله مثل زواج المسيار الذي أباحه الشيخ القرضاوي وغيره من علماء المسلمين . انتهى.
آراء المانعين:
يقول الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر السابق:
شرع الله الزواج ليكون رباطًا وثيقًا بين الرجل والمرأة يقوم على المودة والرحمة ، ويراد به الدوام والاستقرار ، ومن مقاصد الزواج الأساسية السكن والمودة بين الزوجين ، فإذا لم تتحقق هذه المقاصد فقد الزواج قيمته الأساسية ، وأصبح مجرد شهوة يتساوى فيها الإنسان والحيوان .
فالشريعة الإسلامية إذن كاملة ومتكاملة في أوامرها وأحكامها ، فلا يصح أن يؤخذ من هذه الأحكام الشرعية جانب ويترك الآخر ، وليس فيها استثناء، حيث جاءت صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان ، وقد نظمت الشريعة الإسلامية العلاقة الزوجية نظامًا دقيقًا فبينت ما يجب على كل منهما نحو الآخر ، فالمرأة متى تزوجت أصبحت شريكة لزوجها في الحياة . وصار لزوجها عليها حقوق يجب أن تؤديها ولا تقصر فيها ، وإلا كانت آثمة ومسئولة عنه شرعًا أمام الله ، وفي ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي نفسي بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها .. وللزوجة أيضًا حقوق على زوجها نظمها الإسلام وأوضحتها الشريعة الإسلامية ، وفي ذلك أيضًا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".
ولا يجوز للمسلم أو المسلمة التخلي عن فرائض ديننا الإسلامي الحنيف حتى ولو كانوا يقيمون ببلد غير إسلامي إلا في حالة الإكراه على ذلك ، خاصة إذا كان التمسك بها سيعرض حياتهم للخطر أو إلى الضرر ، قال - تعالى:"فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه"أما ترك فرائض وتعاليم الدين الإسلامي بالاختيار فهذا لا يجوز شرعًا؛ لأن أركان الإسلام يجب علي المسلم الالتزام بها أينما كان ، وما يعرف بـ"فقه الأقليات"فهو يتوقف عند حدود المعاملات الإسلامية كالبنوك وأكل الذبائح التي لم يُذكر اسم الله عليها أو خلع الحجاب إذا كانت قوانين تلك الدول تمنع ذلك ، وكل ذلك جائز بشرط أن يفعل المسلم ذلك وقلبه منكر لهذا الفعل !
أما مثل هذا الزواج الذي تدعو إليه الفتوى فهو لا يحقق المقاصد الشرعية من الزواج ويؤدي إلى الإفساد وخلط الأنساب . ومخالفة الشرع وارتكاب الفواحش وكثير من الجرائم والمفاسد الاجتماعية والأخلاقية . انتهى.
وتقول الدكتورة سعاد صالح ـ أستاذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف:
لا يوجد في الإسلام ما يسمى بزواج موصوف بصفة خاصة ، وإنما ورد لفظ الزواج في القرآن الكريم وفي السنة النبوية غير مقيد بأي صفة كقوله - تعالى:"وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا" (النساء: 3) ، وقوله - تعالى:"وَاَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ" (النور: 32) .
وقد اهتم الإسلام بعقد الزواج أكثر من اهتمامه بأي عقد آخر؛ لأنه أقرب إلى العبادة منه إلى العادة . وما يطالب به من زواج الأصدقاء مع وقف آثار الزواج من حيث الإنجاب والنفقة والسكنى ، فهو يتعارض مع المقصد الأصلي للزواج وهو بقاء النسل والمحافظة على النفس وإعفافها ، ويتعارض كذلك مع التشريع الإلهي لعقد الزواج والأهداف والمقاصد المرجوة منه، ويعرض هذا الميثاق الغليظ للامتهان والاستهتار.
وهذه الأنكحة المستحدثة بكافة صورها، تشبه نكاح المتعة الذي نهى عنه الرسول نهيًا قطعيًا، حيث المقصود الأصلي منها هو مجرد قضاء الوطر دون الاستمرار في السكنى والمودة والرحمة.
وعقد الزواج الأصل فيه الاستمرارية والاستقرار، ولذلك،فإن كل عقد مقيد بمدة معينة، هو عقد باطل، والعقد الصحيح مطلوب فيه تحقيق الآثار الشرعية المترتبة عليه في الحال، فلا يوجد في الإسلام زواج موقوف،ولكن زواج نافذ وجائز مستمر.
والله أعلم.
ـــــــــــــ
زواج"فريند"نظرة متأنية
السؤال:
أثارت دعوة الشيخ عبد المجيد الزنداني إلى زواج الأصدقاء، أو زواج فريند جدلًا كبيرًا بين العلماء بين محرم ومبيح، وأصبحنا في حيرة، فما الحكم القاطع في المسألة؟
الجواب:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
للحكم على زواج الأصدقاء، أو ما أطلق عليه الشيخ الزنداني"زواج فريند"يجب أن ينظر إلى ما يلي:
1-مقصد هذه الصورة من صور الزواج.
2-ومطابقتها لأركان الزواج الشرعي في الإسلام، وهل الحكم على الشيء يرجع إلى المقصد منه، وتحقيق حِكَمه، أم أنه ينظر إليه من حيث استيفائه لأركان الزواج وشروطه؟
3-ومدى جواز تقييد المباح في مثل هذه الحالة؟
4-وما الفرق بين إطلاق الدعوة إلى هذا الزواج بشكل فردي، وبين إطلاقها بشكل جماعي؟
ويمكن تفصيل الموضوع على النحو التالي:
المقصد من زواج الأصدقاء:
الفكرة في نشأتها تنبني على تحويل العلاقات الاجتماعية بين الجنسين من علاقات محرمة شرعًا، إلى شكل مشروع، وهو الزواج، فتحول الصداقة المجردة إلى زواج مشروع مستوفي الأركان.
وهذا يعني أن الفكرة مشروعة من حيث القصد، وإن لم تأخذ الشكل الكلي لنظام الأسرة في الإسلام.
والزواج يُعرف بأنه عقد بين الزوجين يحل به الوطء، ويطلق على العقد والجماع كما رجحه كثير من الفقهاء، لقوله - تعالى:"فانكحوهن بإذن أهلهن"وبالتالي فما دام العقد صحيحًا، حل الجماع.
استيفاء صورة الزواج للأركان:
أما من حيث استيفاء صورة الزواج للأركان والشروط، ففي هذا الزواج يتوافر جميع الأركان التي وضعها الفقهاء للحكم على صحة الزواج، وهي: العاقدان، والإيجاب والقبول، وموافقة الولي، والمهر، والإشهاد، فإن توافرت هذه الشروط في عقد الزواج، حُكم عليه بالصحة، وعلى هذا، فزواج الأصدقاء من حيث استيفاء الأركان صحيح شرعًا.
والحكم على الشيء لا يرتبط بالحكمة منه، ولكن باستيفاء أركانه.
وما يقال من فساد هذا الشكل من الزواج استنادًا لقوله - تعالى:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الروم: 21) ، فإن الرحمة والمودة من مقتضيات الزواج، فالزواج يحصل به هذه المودة والرحمة، وكون الزوج لا يَقَرُّ في بيت، لا ينفي وجود هذه العاطفة القلبية.
يقول الإمام ابن كثير:
ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة وهي المحبة، ورحمة وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك. انتهى.
وقد فسر ابن عباس ومجاهد: المودة بأنها الجماع، والرحمة بأنها الولد.
وقال ابن عباس أيضًا: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء.
والسكن حق للمرأة، وللمرأة أن تتنازل عن حق من حقوقها، وقد أباح الشرع تنازل المرأة عن المهر، وهو حق لها، مع كونه ركنًا من أركان النكاح، قال - تعالى:"وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا".
غير أنه من المشقة على النفس أن تظل المرأة بلا سكن طوال عمرها، قد يكون هذا في فترة من الفترات حتى تتحسن الظروف، ثم يشتري الزوج سكنًا لزوجته، أو يؤجر سكنًا، حتى تكون الأسرة أكثر استقرارًا.
تقييد المباح:
أما تقييد المباح، فهو باب من أبواب الاجتهاد، لا تصلح له فتوى فردية، بل لا بد فيه من فتوى جماعية، إن لم تصل إلى حد الاتفاق أو الإجماع.
ولا بد للنظر في هذا الشأن مما قد ينجم عن هذا الزواج - المباح شرعًا من حيث الأركان والشروط - من آثار اجتماعية قد تضر بنظام الأسرة في الإسلام، وهل يؤدي هذا الزواج إلى انفراط العقد الأسري، وهل سيؤدي إلى تسرع الشباب إلى الزواج في فترة الدراسة، وقد يهربون من المسئولية الاجتماعية بعد الانتهاء من فترة الدراسة؛ وهو ما قد يؤدي إلى كثرة الطلاق، وإن كان يمكن اشتراط بعض الشروط التي قد تجعل الزوج لا يمكن له الإسراع في الطلاق، من كتابة مؤخر صداق كبير أو ما شابه هذا.
مناقشة الدعوة بين الفردية والجماعية:
ولو أن المسألة نوقشت بشكل فردي، من كون شاب يحب فتاة، ووافق والدها على الزواج مع توافر جميع الشروط والأركان، لما كان يمكن الحكم عليها بالحرمة والمنع، ولكن أخذ صورة زواج الأصدقاء شكلًا جماعيًا، يجعل هناك نوعًا من التردد في إطلاق الحكم الشرعي إلا بعد تقديم بحوث ودراسات متعمقة، حتى يخرج علماء الأمة بفتوى جماعية توضح الحكم في المسألة.
وفي هذا الصدد يجب على المسلمين أن يرجعوا إلى منهج الإسلام في تيسير الزواج، وألا يُكلف الزوج فوق طاقته، وأن يتخير لابنته من يعرف لها حقها، ويحفظ لها دينها، ويسعى لإسعادها في حياتها.
ولعل في الرجوع إلى منهج الإسلام في تيسير الزواج غناء عن هذه الصورة وغيرها.
ويمكن اقتصار زواج الأصدقاء ساعتها إلى تحويل الصداقة بين الجنسين إلى الطريق المشروع وهو الزواج الشرعي مع تيسيره بما لا يشق على شباب المسلمين.
والله أعلم.
ـــــــــــــ